×

لا تمنحوا أعداء الوطن فرصة يصنعها خلافكم

المقالات : يحيى الفيفي

في الأوطان العظيمة، لا تُقاس قوة الشعوب بما تملكه من إمكانات فحسب، بل بما تتمتع به من وعيٍ وتماسكٍ ووحدة صف، وقدرةٍ على تجاوز الخلافات حين تكون مصلحة الوطن وأمنه واستقراره على المحك. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها أيضًا وحدة الكلمة، وصدق الانتماء، ووعي المواطن بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي وطن ليس اختلاف الآراء في حد ذاته، فالاختلاف طبيعة بشرية، وإنما أن يتحول الاختلاف إلى انقسام، والنقاش إلى خصومة، والعتب إلى عداوة، فتُفتح الثغرات من الداخل لمن يتربصون بالوطن من الخارج. وهنا تكمن الخطورة؛ حين ينشغل أبناء الوطن ببعضهم، بينما يجد المتربصون في خلافاتهم فرصة لبث الشائعات، وإثارة الشكوك، وتأجيج المشاعر، ومحاولة النيل من الثقة والتلاحم بين القيادة والشعب.
إن أعداء الأوطان لا يحتاجون دائمًا إلى اقتحام أسوارها، إذا وجدوا من يفتح لهم أبواب الفرقة بيده، أو يروّج لأكاذيبهم بلسانه، أو يمنح حملاتهم مساحة من التأثير بسبب غياب الوعي والتحقق. ولهذا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي منا ألا نكون أدواتٍ لنقل الشائعات، ولا جسورًا تعبر عليها الأكاذيب، ولا أصواتًا تُستدرج إلى معارك تخدم مصالح الآخرين على حساب أمن بلادنا واستقرارها.

والمملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل ديني وسياسي واقتصادي، وبما تنعم به من أمن واستقرار، تستحق من أبنائها أن يكونوا على قدر مكانتها ومسؤولياتها. إن الوفاء لهذا الوطن لا يكون بمجرد الكلمات الرنانة، ولا بالشعارات التي تُرفع في المناسبات، بل بالمواقف الصادقة، والوعي المسؤول، والالتفاف حول القيادة ومؤسسات الدولة، والمحافظة على المكتسبات الوطنية، والتصدي لكل خطاب يسعى إلى زرع الفرقة أو تقويض الثقة أو إثارة الفتنة.

وليس معنى وحدة الصف أن نتخلى عن حقنا في إبداء الرأي، أو أن نغلق أبواب الحوار والنقد البنّاء؛ بل إن الوطنية الحقيقية تجمع بين حرية التعبير المسؤول وصيانة المصالح العليا للوطن، وبين معالجة الأخطاء بالحكمة والطرق المشروعة ورفض تحويلها إلى وقود للتحريض والتشويه. فالمواطن الواعي يعرف أن البناء يحتاج إلى نقدٍ مخلص، وأن الإصلاح يحتاج إلى حكمة، وأن حماية الوطن لا تعني تجاهل المشكلات، وإنما تعني معالجتها بما يحفظ الحقوق ويصون الاستقرار.
ومن المؤسف أن بعض الناس قد يندفعون خلف كل خبر مثير، أو يعيدون نشر كل اتهام متداول، دون تثبت من صحته أو معرفة بمصدره، ثم يكتشفون متأخرين أنهم أسهموا في نشر ما يضر مجتمعهم ويخدم من يريدون إضعافه. ولذلك فإن التثبت من الأخبار واجب أخلاقي ووطني، والكلمة أمانة، والمنشور مسؤولية، وما نكتبه اليوم قد يكون له أثر يتجاوز ما نتصوره.

يا أبناء الوطن، إن الخلافات الشخصية والقبلية والمناطقية والمصالح الفردية مهما كبرت، تبقى أصغر من وطنٍ يحتضننا جميعًا، ومن أمنٍ يحفظ بيوتنا، ومن استقرارٍ يتيح لأبنائنا أن يتعلموا ويعملوا ويبنوا مستقبلهم. فلا تجعلوا خلافًا عابرًا يفسد علاقة، ولا اختلافًا في الرأي يمزق صفًا، ولا شائعةً عابرةً تزرع الشك بين أبناء المجتمع الواحد.
إن قوة الوطن تبدأ من تماسك جبهته الداخلية، وإن تماسكها يبدأ من وعي كل فردٍ منا بمسؤوليته. فلنكن عونًا لوطننا لا عبئًا عليه، وجسرًا للتقارب لا معولًا للهدم، وأصواتًا للحكمة لا أبواقًا للفتنة، ولنختلف حين نختلف بأخلاق، ونتحاور حين نتحاور باحترام، ونقف جميعًا صفًا واحدًا عندما يتعلق الأمر بأمن المملكة واستقرارها ومصالحها العليا.

وفي الختام، تذكّروا أن الأوطان لا تضعف دائمًا لقوة خصومها، بل قد تضعف حين يتخلى أبناؤها عن وعيهم، ويقدّمون خلافاتهم على مصالحهم المشتركة. فلا تمنحوا المتربصين فرصةً يصنعها خلافكم، ولا تجعلوا من كلماتكم جسورًا تعبر عليها الفتنة، ولا تسمحوا لأحد أن يستثمر اختلافاتكم للنيل من وحدتكم.
وطننا أمانة، ووحدتنا قوة، وولاؤنا مسؤولية، وأمن المملكة العربية السعودية واستقرارها خط أحمر.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، وحفظ قيادتها وشعبها، وألّف بين القلوب، وجمع الكلمة على الخير، وردّ عنها كيد الكائدين، وجعل أبناءها صفًا واحدًا في البناء والوفاء والدفاع عن مكتسباتها الوطنية.

✍️/ أ. الكاتب / يحي بن حسن الفيفي

2 comments

comments user
حسين يزيد الغاشمي

كلماتك صادقة وتلامس جوهر ما يحتاجه الوطن. أوافقك تمامًا: الوعي والتماسك هما الدرع الحقيقي، والاختلاف الطبيعي لا يجب أن يتحول إلى انقسام يفتح ثغرات للمتربصين. المسؤولية تقع علينا جميعًا في التحقق قبل النقل، وعدم الانجرار خلف الشائعات، ووضع مصلحة الوطن فوق أي خلاف. حفظ الله أوطاننا وأدام عليها الأمن والاستقرار.
شكرا لك يا ابا وليد على هذه الكلمات الهادفه

comments user
حسين يزيد الغاشمي

كلماتك صادقة وتلامس جوهر ما يحتاجه الوطن. أوافقك تمامًا: الوعي والتماسك هما الدرع الحقيقي، والاختلاف الطبيعي لا يجب أن يتحول إلى انقسام يفتح ثغرات للمتربصين. المسؤولية تقع علينا جميعًا في التحقق قبل النقل، وعدم الانجرار خلف الشائعات، ووضع مصلحة الوطن فوق أي خلاف. حفظ الله أوطاننا وأدام عليها الأمن والاستقرار…
شكرا لك يا ابا وليد على كلماتك الرائعه والتي تحث على وحدة الصف وعدم الانجرار خلف الشائعات ..

إرسال التعليق