×

حين تصبح النتيجة «صفر»

سامي مجرشي

المقالات : سامي مجرشي

الذكاء الاصطناعي لا يهدد موهبتك بقدر ما يكشف: هل كنت تصنع الفكرة.. أم تنفذها فقط؟

تخيّل أن تستيقظ غدًا، فتكتشف أن المهارة التي قضيت عشرين عامًا في بنائها أصبحت متاحة لأي شخص يفتح شاشة!

لا يحتاج إلى خبرتك، ولا إلى سنواتك الطويلة، وربما لا يحتاج حتى إلى موهبتك. كل ما عليه أن يفعله هو أن يكتب جملة واحدة، ثم يحصل خلال ثوانٍ على نتيجة تقترب كثيرًا مما كنت تحتاج إلى ساعات، وربما أيام، لإنجازه.

فماذا يبقى لك؟

لا تتعجل الإجابة؛ لأن هذا الامتحان لم يعد افتراضًا للمستقبل، بل بدأ بالفعل، والنتيجة التي قد يكتشفها بعضنا ستكون مؤلمة:

صفر.

ليس لأن أحدًا سرق موهبته، ولا لأن التقنية ألغت خبرته، وإنما لأنه اكتشف متأخرًا أن ما كان يظنه ميزة استثنائية لم يكن سوى مهارة تنفيذية يصعب على الآخرين تقليدها.. حتى ظهرت آلة تستطيع محاكاتها في ثوانٍ.

ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية.

الذكاء الاصطناعي.. المرآة

الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليكتب ويصمم ويحلل ويبرمج فقط، بل جاء بشيء أكثر إزعاجًا: مرآة.

مرآة تكشف الفرق بين من كان يفكر ومن كان ينفذ، وبين من يمتلك رؤية ومن يمتلك قالبًا، وبين من يصنع الفكرة ومن أتقن تكرارها.

والبشرية عاشت صدمة شبيهة من قبل.

عندما دخلت الكاميرا عالم القرن التاسع عشر، واجه الرسامون تقنية تستطيع في لحظات توثيق الوجوه والمشاهد التي كانوا يحتاجون إلى سنوات من التدريب لإتقان رسمها.

فهل انتهى الرسم؟

لم ينتهِ.

بل حدث شيء أكثر إثارة؛ فكلما أصبحت الكاميرا أفضل في تسجيل ما تراه العين، ازدادت حاجة الفنان إلى التعبير عما لا تراه العين: الإحساس، والحركة، والانطباع، والخيال، والمعنى الكامن خلف الصورة.

الكاميرا لم تقتل الفنان، لكنها أجبرته على إثبات أنه أكثر من مجرد ناسخ للواقع.

واليوم تعود القصة بثياب جديدة، لكنها هذه المرة لا تقف أمام الرسام وحده، بل أمام الكاتب والمهندس والطبيب والمدير والمصمم والمحلل والطالب والإعلامي، وأمام كل شخص بنى جزءًا من قيمته على قدرته على إنجاز شيء كان صعبًا على الآخرين.

السؤال تغير

السؤال لم يعد:

هل تستطيع الآلة إنتاج ما أنتجه؟

بل أصبح أكثر عمقًا:

هل يوجد خلف ما أنتجه شيء يخصني أنا فعلًا؟

هل لدي رؤية وتجربة وحكم وزاوية مختلفة، أم أنني كنت طوال الوقت أؤدي وظيفة يمكن تحويلها إلى خطوات، ثم تأتي الآلة لتنفيذها بصورة أسرع؟

هنا يتغير كل شيء.

إعداد تقرير احترافي أصبح أسهل، وتصميم عرض تقديمي أنيق لم يعد إنجازًا نادرًا، والحصول على عشرات الأفكار في دقائق أصبح متاحًا للجميع.

وأشياء كثيرة كانت بالأمس دليلًا على الكفاءة، قد تصبح غدًا مجرد حد أدنى متوقع.

حتى المنافسة نفسها ستتغير.

لن تكون المنافسة الحقيقية بينك وبين الذكاء الاصطناعي، وإنما بينك وبين إنسان آخر يمتلك الذكاء الاصطناعي نفسه.

وهنا يأتي السؤال الأصعب:

إذا كانت الأداة نفسها بين يديكما.. فلماذا يختارك السوق أنت؟

لن تكون الإجابة في السرعة؛ فالآلة أسرع.

ولن تكون في كمية المعلومات؛ فهي قادرة على استحضار كم هائل منها.

ولن تكون في كثرة البدائل؛ فهي تستطيع أن تقدم عشرين خيارًا قبل أن تنتهي أنت من مناقشة الخيار الأول.

إذن.. أين ستكون قيمتك؟

القيمة تنتقل إلى «الحُكم»

ستكون القيمة في الإنسان الذي يعرف أي مشكلة تستحق أن تُحل أصلًا.

في القائد الذي يقرأ عشر توصيات تبدو جميعها منطقية، ثم يدرك أن تسعًا منها لا تناسب واقعه.

وفي المهندس الذي لا ينبهر بصحة الحسابات قبل أن يسأل: هل الفرضية التي بُنيت عليها هذه الحسابات صحيحة من الأساس؟

وفي الكاتب الذي لا يبدأ بسؤال: «ماذا أكتب؟»، وإنما يدخل إلى النص وفي داخله شيء حقيقي يريد قوله، وتجربة صنعت زاويته الخاصة.

هنا تظهر واحدة من أغلى مهارات المرحلة القادمة:

الحُكم البشري.

تخيّل مديرين أمام النموذج نفسه، يملكان البيانات ذاتها، ويطرحان السؤال ذاته، ويحصلان على التوصيات نفسها.

الأول يقرأ النتائج ويختار أكثرها إقناعًا.

أما الثاني فيتوقف عند التوصية الثالثة ويسأل:

ماذا لو كانت الفرضية التي بُنيت عليها جميع هذه التوصيات خاطئة؟

في تلك اللحظة ينتهي تفوق الأداة.. ويبدأ تفوق الإنسان.

الأول استخدم التقنية لتختصر عنه التفكير، والثاني استخدمها لتوسّع تفكيره.

الأول كان يبحث عن إجابة، والثاني كان يبحث عن اختبار لأفكاره.

وهذا قد يكون أحد أهم الفواصل بين الناس في السنوات المقبلة.

فكلما أصبحت الأدوات أقوى، انخفضت قيمة مجرد امتلاكها؛ لأن الجميع سيصل إليها.

وكلما أصبحت الإجابات أسرع وأرخص، ارتفعت قيمة الإنسان الذي يعرف متى يقبل الإجابة، ومتى يشك فيها، ومتى يرفضها، ومتى يطرح سؤالًا لم تفكر فيه الآلة أصلًا.

احذف اسمك من عملك

لهذا، لا تسأل نفسك فقط:

هل أستخدم الذكاء الاصطناعي؟

فقريبًا قد يصبح هذا السؤال بلا أهمية؛ لأن استخدامه سيصبح أمرًا طبيعيًا لدى الجميع.

السؤال الأهم هو:

لو حذفنا اسمك من كل ما تنتجه اليوم.. هل سيبقى في عملك شيء يدل عليك؟

زاوية لا يراها الآخرون؟

خبرة صنعت لديك حكمًا مختلفًا؟

موقف كوّنته سنوات التجربة؟

قدرة على الربط بين أشياء لا تبدو مترابطة؟

سؤال لا يخطر بسهولة على غيرك؟

إن كانت الإجابة نعم، فلا تجعل الذكاء الاصطناعي يخيفك؛ فقد يتحول إلى أداة تضاعف قيمتك بدلًا من أن تنتقص منها.

أما إذا حُذف اسمك ولم يبق في العمل شيء يميزك عن آلاف النتائج التي يمكن توليدها بضغطة زر، فهنا تصبح كلمة «صفر» أكثر قابلية للفهم.

ليس لأن الآلة جاءت لتأخذ مكانك، بل لأنها جاءت لتكشف سؤالًا كنا نستطيع تأجيله طويلًا:

كم كان لنا فعلًا من المكان الذي اعتقدنا أننا نشغله؟

والآن يبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه:

عندما تصبح الإجابات متاحة للجميع، والسرعة متاحة للجميع، والأدوات متاحة للجميع.. ما الشيء الذي تملكه أنت، ولا يحصل عليه الآخر بمجرد فتح الشاشة؟

اكتب إجابتك.

فربما تكون تلك الإجابة تحديدًا هي رأس مالك الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي.

وفي المقال القادم: كيف نحول هذه الميزة الإنسانية إلى قوة لا تستطيع الآلة أن تنتزعها منا؟

7972-1 حين تصبح النتيجة «صفر»

بقلم الكاتب : م / سامي يحي مجرشي

4 comments

comments user
حسين مكرم

سلمت يداك ..

comments user
H-alfaifi

اصبت كبد الحقيقة م/ سامي. مقال في صميم واقعنا .. الذكاء الاصطناعي هو بالفعل سلاح ذو حدين، لأنه يقدم فوائد هائلة لتسهيل الحياة، لكنه يحمل مخاطر حقيقية تعتمد بشكل كامل على طريقة استخدام البشر له.هناك ايجابيات وسلبيات نلخصها في:
– الإيجابيات (الحد النافع)توفير الوقت والجهد: ينجز المهام الروتينية والمعقدة بسرعة كبيرة.المساعدة في التعلم: يعمل كمعلم صبور يساعد في تبسيط الأفكار وتوليد الإبداع.دعم الأعمال: يرفع كفاءة العمل وينظم الأفكار ويقترح حلولاً جديدة.
– السلبيات (الحد الضار)الاتكالية والكسل: قد يضعف التفكير النقدي ويجعل الإنسان يعتمد على الآلة في كل تفكير.المعلومات المغلوطة: قد يقدم إجابات غير صحيحة أو يساهم في نشر مقاطع مفبركة وتزييف عميق.مخاطر الخصوصية: يثير مخاوف حول أمان البيانات وفقدان بعض الوظائف التقليدية.

sami majrashi
sami majrashi

الاستاذ حسين مكرم أسعد جداً مرورك الرائع وإعجابك بالمقال

sami majrashi
sami majrashi

أحسنت أستاذ حسين وأظن أن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس ما يستطيع أن يفعله لنا بل ما قد يجعلنا نتوقف عن فعله بأنفسنا.

فحين تتحول الأداة من وسيلة لتوسيع التفكير إلى بديل عنه، تبدأ المشكلة الحقيقية. لأن الخسارة عندها لا تكون في وظيفة أو مهارة فقط بل في تراجع قدرتنا على السؤال والتحليل والتمييز واتخاذ القرار.

ولهذا أتفق معك تماماً في وصفه بالسلاح ذي الحدين، لكنني أضيف أن الحد الفاصل بين النفع والضرر ليس في التقنية نفسها، بل في عقل الإنسان الذي يستخدمها: هل يستعين بها ليصبح أقدر أم يعتمد عليها حتى يصبح أقل قدرة؟

القيمة في المرحلة القادمة لن تكون لمن يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر، بل لمن يعرف متى يستخدمه، ومتى يشك في مخرجاته، ومتى يرفضها، ومتى يقول: هنا يجب أن يفكر الإنسان بنفسه.

شكراً جزيلاً لك أستاذ حسين على هذه القراءة الواعية والإضافة التي أثرت الفكرة ووسعت مساحة النقاش.

إرسال التعليق