×

حين يغيب صوت أمي

المقالات : أحمد هبة

هناك أشياء لا نعرف قيمتها كاملةً إلا حين تصبح ذكرى، وأصوات نظن أنها ستبقى معنا إلى الأبد، حتى يأتي يوم نفتقد فيه رنينها، فنكتشف أن ما حسبناه يومًا إلحاحًا كان حبًا، وأن ما ظنناه تضييقًا كان خوفًا علينا، وأن وراء كل سؤال متكرر قلب أمٍّ لا يعرف الطمأنينة إلا حين يطمئن على أبنائه.

سيأتي يوم قد تتهاوى فيه جدران الغفلة، ونستيقظ على وحشة الصمت، فنشتاق إلى ذلك الاتصال الذي كان يقاطع انشغالنا، وإلى تلك الأسئلة التي كنا نجيب عنها على عجل: أين أنت؟ هل وصلت؟ هل أكلت؟ متى تعود؟

أسئلة بسيطة، لكنها في الحقيقة كانت تختصر عالمًا كاملًا من الحب.

قد يتمنى الابن أحيانًا لو تخف تلك المتابعة قليلًا، ويظن أن قلق أمه مبالغة، وأن كثرة سؤالها تحدّ من مساحته وحريته. لكن الأيام تعيد ترتيب الأشياء في أعيننا؛ فما نراه اليوم إزعاجًا قد يصبح غدًا أمنية، وما نهرب منه للحظات قد نمضي العمر نبحث عن صداه فلا نجده.

وحين يباغتنا الغياب، تنكشف الحقيقة متأخرة ومؤلمة: لم تكن لهفة الأم سيطرة تخنق الأنفاس، ولم تكن أسئلتها قيودًا تُحكم حول حريتنا، بل كان ذلك حبًا أكبر من قدرة الكلمات على وصفه.

فالأم لا تتقن دائمًا التعبير عن حبها بالجمل المنمقة، لكنها تقوله بطريقتها: في انتظارها خلف الباب، وفي اتصالها المتكرر، وفي دعائها الذي لا نسمعه، وفي خوفها إذا تأخرنا، وفي نظرتها التي تتفحص وجوهنا بحثًا عن تعب نخفيه، وفي سؤالها عن طعامنا ونومنا وصحتنا، وفي تلك الوصايا الصغيرة التي نسمعها مئات المرات ولا ندرك أن تكرارها شكل من أشكال الحب.

وكم من أم أرهقت أبناءها بطوفان الاهتمام، وأثقلت خطواتهم بفيض السؤال، بينما لم تكن في سريرتها سوى روح تخشى على قطعة من قلبها تمشي خارج جسدها.

وهذه ربما أصدق صورة للأمومة؛ أن يعيش قلبك في أجساد أبنائك، وأن تظل خائفًا عليهم مهما كبروا، وأن تراهم صغارًا حتى وإن شابت رؤوسهم.

والقاسية ليست أسئلة الأم، بل اللحظة التي تتوقف فيها تلك الأسئلة إلى الأبد.

حينها فقط يصبح الهاتف أكثر صمتًا، والبيت أكثر اتساعًا، والأيام أقل دفئًا. وحينها يفهم الإنسان أن كل سؤال كان سورًا من الحنان، وكل لهفة كانت درعًا، وكل سهر كان دعاءً صامتًا بأن يعود سالمًا.

لذلك، ما دامت أمك تسأل عنك، فلا تضجر.

أجبها ولو كنت مشغولًا، وطمئن قلبها ولو كررت السؤال، واجلس إليها ولو أخذتك الحياة بعيدًا، واستمع إلى حديثها ولو سمعته من قبل. لا تجعل هاتفك أثمن من دقائقها، ولا مواعيدك أهم من خاطرها، ولا تؤجل كلمة جميلة تقدر أن تقولها اليوم.

قل لها إنك تحبها وهي تسمع.

قبّل رأسها وهي تشعر.

واسأل عنها قبل أن تسأل هي عنك.

فبعض النعم لا نعرف حجمها إلا عندما تتحول من حضور نعتاده إلى ذكرى نبكيها.

ومن كانت أمه على قيد الحياة، فليعلم أنه لا يزال يحمل في كفه بابًا من أبواب الجنة، وقلبًا يدعو له دون موعد، وحبًا لا يشترط عليه شيئًا.

ومن رحلت أمه، فليبرها بعد رحيلها بالدعاء والصدقة وصلة من كانت تحب، وليحفظ تفاصيلها الجميلة في قلبه؛ فالأمهات وإن غبن عن أعيننا، تبقى أصواتهن في الذاكرة، ودعواتهن في أرواحنا، وأثرهن ممتدًا في كل زاوية من حياتنا.

الأم لا تكرر السؤال لأنها نسيت الإجابة؛ بل لأنها لا تستطيع أن تنسى أنك قطعة من قلبها.

بقلم المستشار : أحمد أبن هبه علي هادي

إرسال التعليق