×

الحماقة… بدايتها عناد، ونهايتها فساد


المقالات : علي المحنشي

الحماقة ليست نقصاً في الذكاء، بل قلةً في الحياء. فقد يكون الإنسان واسع المعرفة، حاد الذكاء، لكنه يفقد حياءه من الحق، فيغلق أبواب الحكمة، ويرفض صوت العقل، ويتمسك برأيه وإن ظهر له الصواب جلياً. وهنا تتحول الحماقة من تصرف عابر إلى نمط حياة، يقود صاحبه إلى خسائر لا يدركها إلا بعد فوات الأوان.

لقد جعل الله تعالى العقل أعظم نعمة، وبه يميز الإنسان بين النافع والضار، وبين الحق والباطل، فقال سبحانه:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

فالآية لا تتحدث عن فقدان الحواس، وإنما عن تعطيلها عن أداء وظيفتها، وهو من أعظم صور الحماقة.

وقال رسول الله ﷺ:
(الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعملَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.)

فالكيّس هو من يراجع نفسه، أما الأحمق فهو من يسير خلف هواه، ويحسب أن الأيام ستصلح ما أفسده عناده.

وليس أخطر من الأحمق إلا من يعتز بحماقته، ويجعلها مبدأً لا يتراجع عنه؛ فيرفض النصيحة، ويسخر من أهل الرأي، ويظن أن الاعتراف بالخطأ ضعف، مع أن الرجوع إلى الحق فضيلة لا يقدر عليها إلا العقلاء.

تقول الحكمة:
(إذا تمكّنت الحماقة من الإنسان، عجزت الحكمة عن الوصول إليه.)

وقال الشاعر:
(لكلِّ داءٍ دواءٌ يُستطبُّ به
إلا الحماقةَ أعيتْ من يداويها.)

إن الحماقة لا تهدم صاحبها وحده، بل تمتد آثارها إلى أسرته، وأصدقائه، ومجتمعه؛ لأنها تبني القرارات على الهوى، والعلاقات على سوء الظن، والمواقف على العناد. أما الحكيم فيزن كلماته قبل أن ينطق بها، ويزن مواقفه قبل أن يتخذها، ويعلم أن الرجوع عن الخطأ خير من التمادي فيه.

ولذلك كان من علامات النضج أن يفرح الإنسان بمن ينصحه، وأن يشكر من يكشف له عيوبه؛ لأن المرآة لا تجرح الوجه، وإنما تكشف ما يحتاج إلى إصلاح.

ختاماً….
الحماقة ليست قدراً محتومًا، بل اختيار يتكرر حتى يصبح عادة؛ والعاقل هو من يراجع نفسه كل يوم، ويجعل الحق أحب إليه من الانتصار لرأيه. فمن تمسك بالحكمة ارتفع، ومن تشبث بالحماقة سقط، وإن ظن أنه واقف على القمة.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي

إرسال التعليق