×

ميزانُ البقاء: حين تتحدثُ الأرواحُ لا الأرقام

المقالات : احمد هبة


في خضمِّ هذه الحياة، وبين صخبِ المظاهرِ الذي يخدعُ الأبصار، يغفلُ الإنسانُ عن حقيقةٍ جوهرية: وهي أنَّ القيمة ليست وليدةَ الندرةِ أو غلاءِ الثمن، بل هي صدىً للأثرِ الذي تتركهُ الروحُ حين يشتدُّ الزمان. إنَّ الدنيا مسرحٌ كاشف؛ سرعان ما تُعيدُ ترتيبَ موازينها، فتتهاوى المراتبُ والألقابُ التي شُيدت على أوهامِ الجاهِ والمكانة، لتعلوَ قيمٌ كانت في نظرِ الغافلين “بسيطة”، ولكنها في ميزانِ الأقدارِ هي “الجوهر”.
تأملْ تلك المفارقةَ التي تختزلُ فلسفةَ الوجود: قطعةٌ من خشبٍ متواضع، قد لا تسترعي انتباهَ أحدٍ في أيامِ الرخاء، لكنها تصبحُ في لحظةِ الغرقِ طوقَ نجاةٍ يهبُ الحياةَ لمن أوشك على الرحيل. حينها، يغدو الذهبُ عبئاً يجرُّ صاحبهُ نحو القاع، ويتحولُ الخشبُ البسيطُ إلى جسرِ نجاة. وهكذا هم البشر؛ لا تُختبرُ معادنهم في أروقةِ المجد، بل في زوايا المحن. هناك، حيثُ تتساقطُ أقنعةُ المصلحةِ ويخبو بريقُ الألقاب، لا يبقى صامداً إلا أولئك الذين أدركوا أنَّ السندَ لا يُشترى بمال، وأنَّ الكتفَ الذي يُتَّكأُ عليهِ في العسرةِ هو أغلى من كنوزِ الأرضِ قاطبةً.
إنَّ الحياةَ لا تُخضعنا لاختبارِ الأرصدة، بل لبوصلةِ “المعدنِ الأصيل”؛ فهي لا تسألُ عن حجمِ ما نملك، بل عن مقدارِ النبلِ والإنسانيةِ الذي يملأُ الصدور. أصحابُ القلوبِ الكبيرةِ هم وحدهم الذين يجمعون بين نقاء السّريرة وصلابة الموقف؛ يظلون في السعةِ متواضعين، وفي الشدائدِ عظيمين، يمنحون بلا انتظار، ويحضرون حين يغيبُ الجميع.
لذا، لا تخدعنَّك القشور، ولا تحتقرنَّ حالاً لظاهره؛ فالحياةُ تضمرُ في غيبها لحظاتِ انكشافٍ لا تُحابي أحداً. وعندما تعصفُ بنا عواصفُ الأيام، لا تسألنا عن الأثمانِ التي دفعناها لنبدوَ بوجوهٍ حسنة، بل تفتشُ عن القيمةِ الحقيقيةِ التي تركناها في حياةِ الآخرين. فالدرسُ الذي لا يطالهُ الشك، هو أنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بما يلبسُ أو يقتني، بل بما يتركهُ في النفوسِ من أثرٍ لا يزول. وحين تسقطُ الأقنعةُ، لا يبقى في خزائنِ الوجودِ إلا ما قدَّمتهُ يداك، وما آمنَ بهِ قلبك، ليُثبتَ للعالمِ أنَّ المعدنَ الحقيقيَّ ليس ما نكنزهُ في الصناديق، بل ما نصونهُ في أرواحِ الأوفياء.

بقلم عضو المجلس الاستشاري : أحمد بن هبة علي هادي

إرسال التعليق