الريحان… شاهد حي من شواهد التراث
المقالات : شروق حلي
في الجنوب السعودي لا يُمكن فصل الإنسان عن بيئته؛ فهما امتداد لبعضهما، يتبادلان أثر الجمال ويقتسمان تفاصيل الحياة. ومن هذا التفاعل وُلدت لغة خاصة تجمع بين الزهر والريحان والطير، لتتحول إلى شعر ونثر وعادات ضاربة في القدم. وبين كل تلك الرموز، يظل الريحان الأبهى حضوراً والأعمق معنى، فهو ليس مجرد نبات عطري، بل رمز للحب والفرح والتهنئة، وحامل لروح المكان، حتى غدا جزءً من هوية المجتمع الجنوبي.
وقد سبقت حضارات أخرى إلى تقديره؛ فاليونانيون جعلوه تاجًا للنصر، يزيّنون به رؤوس المنتصرين والعَرسان. بينما عرفه العرب قبل الإسلام عادةً اجتماعية أصيلة، يتبادلون الرياحين ويضعونها على رؤوسهم، كما قال النابغة الذبياني في وصف قومه:
رِقاقُ النِّعالِ طَيِّبٌ حَجَزاتُهُم … يُحَيُّونَ بِالرَّيحانِ يومَ السَّباسِبِ
ولم ينقطع سيل هذه العادة في العصور اللاحقة؛ فكان بشر بن مروان يتزيّن بإكليل من ريحان، وفي زمن الحجاج أصبح تقديم باقات الرياحين تحيةً بين الرجال. ومع الزمن، استمر الريحان ضيفاً ثابتًا في الموروث حتى وصل إلى عصرنا، محافظاً على حضوره في جنوب المملكة.
واليوم تتنوع طرائق وضع الريحان باختلاف مناطق الجنوب؛ فيُنكَّس تحت جوانب الغطوة في السراة، أو تُزدان به رؤوس النساء، أويُربط بالطرحة أو يُوضع على الصدر كما هو شائع في تهامة. أمّا الرجال فيضعونه غرسًا في العقال أو في جيب الثوب. ويحرص البعض على مزجه بنباتات عطرية أخرى في عملية تُعرف محليًا بالتعريب
وما تزال النساء اليوم يقمن بإهداء الرياحين وتوزيعها في المناسبات السعيدة، بل وحتى عند انتهاء فترة القصوص للأرامل، في دلالة على الانتقال من مرحلة الحزن إلى مرحلة الحياة العادية.


إرسال التعليق