الإلهام بين الفطرة والإبداع
مقالات : علي ادريس المحنشي
في زحمة الأيام وضجيج المسؤوليات، يظل الإلهام قبسًا من نورٍ يوقظ في الإنسان طاقة الإبداع، ويمنحه القدرة على رؤية ما وراء المألوف. إنه ذلك الوميض الخفي الذي لا يُشترى ولا يُستدعى، بل يسكن القلوب التي ما زالت تسمع نداء الروح، وتستشعر جمال الفكرة قبل أن تولد الكلمة.
الإلهام ليس حكرًا على شاعرٍ أو فنانٍ أو مخترع، بل هو نعمةٌ تُمنح لكل من صفّى ذهنه ووسّع أفقه، فربّ كلمةٍ ملهمة تغيّر مصيرًا، وربّ فكرةٍ صغيرة فتحت أبواب الأمل لأمّة بأكملها.
قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، فالإلهام جزء من فطرة الإنسان التي أودعها الله فيه ليهتدي بها في مسيرة الحياة.
وحين يتحدث المفكرون عن سرّ النهضة، فإنهم يذكرون أن الإلهام هو الشرارة الأولى لكل إنجاز، فهو الذي يحرك الإرادة، ويزرع في النفس الإصرار، ويحوّل الحلم إلى حقيقة.
إنه لحظةُ وعيٍ تتجلّى فيها الفكرة بين العقل والقلب، لتصنع أثرًا خالدًا.
ولعل أجمل ما في الإلهام أنه يولد في الصمت، حين يبتعد الإنسان عن صخب الدنيا ليستمع إلى صوته الداخلي، فيجد فيه ما لم يجده في ضجيج الآخرين. من هنا، يصبح التأمل والقراءة والاختلاء بالذات، مفاتيح تفتح أبواب الإلهام وتروي عطش الروح.
وفي عالمٍ يركض خلف الماديات، يبقى الإلهام هو القوة اللطيفة التي تذكّرنا بأن الإنسان ليس آلة إنتاج، بل كائنٌ مبدع خُلق ليعمّر الأرض بفكره وجماله وعطائه.
فطوبى لكل من أُلهم خيرًا، وسار على نور فكرٍ متجدد، وطوبى لكل من كانت كلماته أو أعماله مصدر إلهامٍ لغيره، فإن أعظم ما يُخلّد الإنسان هو أثره الطيب في ذاكرة المجتمع .
بقلم : علي أدريس المجنشي


تعليق واحد