×

العمر ظلّ عابر.. فهنيئًا لمن أبقاه مضيئًا

مقالات : مسعود الفيفي

تمضي الأيام كأنها تنهَرُّ من بين أصابعنا خفيةً، لا نستطيع أن نُمسك بها مهما حاولنا.
نستيقظ على صباحٍ جديد، نحمله على أكتافنا ونحن نلهث خلف رغيفٍ أو حلمٍ أو موعدٍ مؤجل، ثم لا نلبث أن نكتشف أن ذلك الصباح قد صار من الماضي، وأن يومًا آخر قد انقضى من عمرنا دون أن نشعر.

الأسابيع تتساقط كأوراق الخريف، والشهور تتهادى كعصافير المدى ثم تغيب، والسنوات تنسلّ من تقويم الحياة كأنها لم تكن.
أمسُنا كان قريبًا، وأصدقاؤنا الذين ضحكنا معهم ذات مساءٍ بعيد، صاروا أسماءً نترحم عليها أو وجوهًا غابت خلف المسافات.

كم هو قصير هذا العمر!
نحلم فنكبر، ثم نتعب فنهدأ، ثم نلتفت فإذا بنا في منتصف الطريق، نحمل ذاكرةً مثقلةً بما كان، ودهشةً من سرعة ما مضى.
تُفاجئنا الأيام ونحن نعدّ أعمارنا، فنجدها تتناقص، كأنها رصيد من النور يوشك أن ينطفئ.

ها نحن اليوم نقف على أعتاب نهاية عامٍ آخر..
لم يتبقَّ سوى شهرين ليودّعنا عام 2025، ويطلّ علينا عامٌ جديد يحمل بين طياته فرصًا وأمنياتٍ لا نعلم أندركها أم تُطوى معنا.
إنها لحظة صادقة للتأمل والمراجعة، أن نسأل أنفسنا: ماذا صنعنا في أيامنا؟ وماذا كتبنا في صفحات أعمارنا؟

العاقل من أيقن أن الحياة ليست طولَ أيامٍ فحسب، بل عمقُ أثرٍ وجمالُ سيرة.
فكم من قصير عمرٍ ملأ الأرض خيرًا وترك وراءه ضياءً لا ينطفئ،
وكم من طويل عمرٍ عاش ساهياً، فلم يترك أثرًا ولا ذكرًا طيبًا!

يا لروعة أولئك الذين ملأوا صحائفهم عملاً صالحًا، وتركوا في طريق الزمن بصماتٍ بيضاء تُضيء بعد رحيلهم.
هم الذين فهموا سرّ الرحلة، فابتسموا للعمر وهو يمضي، لأنهم كانوا يزرعون في كل يومٍ خيرًا جديدًا.

العمر ظلّ عابر،
لكن يمكننا أن نجعله ظلًّا ظليلًا لمن بعدنا،
بكلمة طيبة، بدمعة رحمة، بصدقةٍ خفية، أو بدعاءٍ نرفعه في جوف الليل.

فيا أيها المارّ في دروب الحياة، تمهّل قليلًا..
لا تُسرف في اللهاث خلف ما يفنى،
واكتب في دفتر أيامك ما يُبقيك حيًّا حين يطويك الغياب،
فالسعيد حقًّا — والله — من غادر الدنيا وقد ترك وراءه ضوءًا لا ينطفئ.

ومع اقتراب العام من نهايته، لنتوقف لحظة أمام مرآة الأيام.
لنطوي ما كان من تقصيرٍ بدمعة ندمٍ صادقة، ولنستقبل عام 2026 بقلبٍ أنقى وعزمٍ أصدق، نكتب فيه بداية جديدة لأنفسنا،
فالعمر — وإن مضى سريعًا — ما زال يحمل في كل صباح فرصة جديدة لنكون خيرًا مما كنا.

فلتكن سنتك القادمة بيضاء كالنور، عامرة بالعمل الصالح، شاهدة لك لا عليك،
ولتذكر دومًا أن الأيام تمضي، لكن أثر الإنسان هو الذي يبقى.

بقلم : مسعود جابر جبران الفيفي

رئيس مجلس إدارة صحيفة أصداء المناطق


الثلاثاء ٢١ – ١٠ – ٢٠٢٥ م

إرسال التعليق