×

التنمر خلف الشاشات.. طعنات لا دماء لها

الكاريزما


المقالات : علي المحنشي

حين دخلنا عصر الأرقام والسرعة، ظننا أننا فتحنا لأنفسنا أبواب النور على مصراعيها، فتقاربت المنازل، وتجاور أهل المشارق والمغارب في فضاء التواصل الافتراضي. لكن لكل نعمة نقمة، ولكل انفتاح ضريبة؛ ولعل أفدح ضريبة ندفع ثمنها اليوم في هذا الفضاء الرقمي هي ظاهرة التنمر الإلكتروني، تلك الحرب الصامتة التي تدور رحاها في الخفاء، بلا صواريخ ولا طائرات، لكنها تدمر الأرواح وتترك في النفوس ندوبا لا دواء لها.
في قديم الزمان، كان للتنمر حدود؛ فإذا انتهى اليوم المدرسي، وغابت الشمس عن ملعب الحارة، وعاد الإنسان إلى بيته وأغلق بابه خلفه، وجد فيه ملاذا آمنا، وراحة نفسية، وسكينة يلتقط فيها أنفاسه المنهكة. أما اليوم، فقد تغير الحال بأسره؛ صار الوحش الرقمي يقتحم مخدعك، ويجلس معك على مائدة أهلك، ويرافقك حتى تحت وسادتك عبر هذا الهاتف القابع في كفك. فلا ليل ينجيك منه، ولا جدار يحميك من ضوء شاشته.
والعجب كل العجب، والأسى كل الأسى، والمصيبة العظمى أن يمتد هذا الأذى ليأتي أحيانا من حيث لا تحتسب؛ من خلف تلك الجدران المتلاصقة التي تجمع الإخوة والأخوات تحت سقف واحد! فبسبب المعرفات الوهمية، والأسماء المستعارة، والصور الرمزية التي تخفي الحقائق وتطمس الملامح، قد يتورط الأخ في التنمر على شقيقته أو شقيقه، وهو لا يدري أن بينه وبينهما لحما ودما وصلة رحم. تبّا لتلك الحواجز الزائفة التي تعمي الأبصار والبصائر، فتجعل القريب يؤذي قريبه بسيف الكلمة وجاهلية الحرف، وهو لا يعلم.
إن الإنسان العاقل يدرك تمام الإدراك أن الحرف الذي يخطه بنانه على لوحة المفاتيح ليس هباء منثورا، بل هو فعل له أثر، وشهادة عليه يوم لا ينفع مال ولا بنون. فما أقبح أن يتحول الإنسان إلى آلة لهدم الأرواح، يفرغ سمومه ونقاط ضعفه في نفوس الأبرياء، متكئا على وهم الأمان الذي تمنحه الشاشة.
لهذا، فإن النجاة لا تكمن فقط في تفعيل الرقابة الأسرية، بل في إحياء الضمير وترسيخ الأخلاق؛ فما يعف اللسان عن التفوه به وجها لوجه، يجب أن تعف عنه الأنامل خلف الشاشات.

ختاماً ..
لنجعل من أجهزتنا منابر تنشر الخير والراحة والطمأنينة، لا غابات مظلمة تتوارى خلفها الشياطين لتغتال براءة القلوب وسلامها النفسي.

بقلم لإعلامي والكاتب / علي ابن ادريس المحنشي

إرسال التعليق