«السعودية.. وطنٌ فوق التهديد»،
المقالات : علي المحنشي
يبدو أن ميليشيا الحوثي، مع تكرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، تراهن على أن الاستفزاز المتواصل قادر على صناعة الخوف، أو التأثير في أمن المملكة واستقرارها. غير أن قراءة التاريخ والواقع تقول شيئًا آخر: التهديد قد يصنع ضجيجًا، لكنه لا يصنع مستقبلًا، والسلاح قد يعبر السماء، لكنه لا يستطيع هز وطن راسخ في أرضه، متماسك بأبنائه ومؤسساته.
المملكة العربية السعودية ليست دولة صنعتها لحظة عابرة، بل وطن راسخ الجذور، قامت وحدته على أسس متينة، وتحت راية التوحيد «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ومضى منذ تأسيسه عبر مراحل متعددة من التحديات والتحولات، محافظًا على وحدته وأمنه ومكانته.
وعلى امتداد مسيرة المملكة، تعاقبت تحديات كثيرة، وتبدلت الظروف والأطراف، وبقي الوطن يمضي في طريقه؛ يبني مدنه، ويطور مؤسساته، ويحمي مقدراته، ويستثمر في إنسانه، ويصنع مستقبله.
وهنا تكمن الحقيقة التي قد يغفل عنها من يراهن على الصواريخ والمسيّرات: قوة الوطن لا تقاس فقط بما يملكه من أدوات الدفاع، وإنما كذلك بقدرته على مواصلة حياته الطبيعية والبناء والتنمية رغم التهديدات.
فالصاروخ قد يعبر السماء، والمسيّرة قد تقطع مئات الكيلومترات، لكنهما لا تستطيعان محو تاريخ وطن، ولا تفكيك مجتمع متماسك، ولا إطفاء شعور الانتماء في نفوس أبنائه.
والمملكة، بما تمثله من مكانة إسلامية وثقل سياسي واقتصادي، وبما تتمتع به من مؤسسات وقدرات ووحدة وطنية، تواصل مسيرتها دون أن تجعل من محاولات الاستفزاز عائقًا أمام مشاريعها وطموحاتها.
ولعل المشهد هذه الأيام يقدم صورة شديدة الدلالة.
في الوقت الذي تُطلق فيه الصواريخ والمسيّرات، تتزين مناطق المملكة ومحافظاتها ومراكزها وقراها استعدادًا للاحتفاء باليوم الوطني السعودي السادس والتسعين؛ رايات ترفرف، وشوارع تتزين، وفعاليات تستعد، وأسر تنتظر مناسبة وطنية تستعيد معها قصة التوحيد والبناء.
صورتان متقابلتان تختصران الكثير:
هناك من يرسل الصواريخ والمسيّرات، وهنا وطن يواصل البناء والتنمية.
هناك من يريد صناعة الخوف، وهنا مجتمع يمارس حياته ويستعد للفرح.
هناك من يراهن على الاضطراب، وهنا دولة تمضي نحو مستقبلها.
والرسالة الأعمق ليست أن التهديدات لا تستوجب اليقظة؛ فأمن الأوطان مسؤولية كبرى، وحماية الأرض والإنسان واجب لا يقبل التهاون. لكن الفارق أن الوطن القوي لا يسمح للتهديد بأن يفرض عليه إيقاع حياته أو يوقف مسيرة تنميته.
إن قوة الدول لا تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق عليها، ولا بحجم الضجيج المحيط بها، وإنما بصلابة مؤسساتها، ووحدة مجتمعها، وقدرتها على حماية سيادتها، والاستمرار في البناء وسط الأزمات والتحديات.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس بين صاروخ ومدينة، ولا بين مسيّرة واحتفال؛ بل بين مشروعين مختلفين: مشروع يستهلك موارده في الصراع، ومشروع يضع الإنسان والتنمية والمستقبل في مقدمة أولوياته.
وتبقى المملكة، بإذن الله، ماضية في طريقها، متمسكة بأمنها ووحدتها واستقرارها، مستندة إلى تاريخها، وإلى تلاحم قيادتها وشعبها، وإلى دولة بنت مؤسساتها ومقدراتها عبر عقود.
أما اليمن الشقيق، فمن الإنصاف ألا يُختزل في ميليشيا أو صراع؛ فهو وطن عربي عريق وشعب شقيق يستحق الأمن والسلام والاستقرار، وأن تتوقف دوامة الحرب التي أثقلت كاهله وأرهقت أبناءه.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، ربما تكون أجمل إجابة على أصوات الصواريخ هي صورة وطن يواصل حياته؛ يبني، ويعمل، ويحتفل، وينظر إلى الغد بثقة.
فالصواريخ تعبر.. أما الأوطان الراسخة فتبقى.
حفظ الله المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظها من كل سوء ومكروه، وحفظ اليمن الشقيق وأهله، وأعاد إليه أمنه وسلامه واستقراره.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي ابن ادريس المحنشي



إرسال التعليق