24 ساعة.. حين منحت العربيةُ الزمنَ أسماءه
علم وثقافة : مسعود الفيفي
لغة القرآن لم تكتفِ بوصف الزمن.. بل منحت لكل مرحلة من يوم الإنسان اسمًا ودلالة
حين نتأمل اللغة العربية ندرك أننا أمام لغة لا تمرّ على الأشياء مرورًا عابرًا؛ بل تصفها، وتفصّلها، وتمنح أدقّ أحوالها أسماءً تكشف ثراءها واتساعها.
ومن أجمل الشواهد على ذلك ما أورده الإمام أبو منصور الثعالبي في كتابه «فقه اللغة وسر العربية» عند حديثه عن أسماء ساعات النهار والليل؛ إذ نقل لنا تراثًا لغويًا زاخرًا بأسماء تتدرج مع حركة الضوء والظلام، حتى يبدو اليوم في العربية وكأنه لوحة تتغير ألوانها ساعة بعد أخرى.
من الشروق إلى الغروب
ذكر الثعالبي لساعات النهار أسماء متتابعة هي:
الشروق، ثم البكور، ثم الغدوة، ثم الضحى، ثم الهاجرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم العصر، ثم القصر، ثم الأصيل، ثم العشي، ثم الغروب.
اثنا عشر اسمًا لا تصف الزمن بالأرقام فحسب، وإنما ترسم حركة النهار منذ انبثاق الضوء وحتى مغيب الشمس.
أما الليل، فقد حمل هو الآخر في العربية أسماء دقيقة ومتنوعة:
الشفق، ثم الغسق، ثم العتمة، ثم السدفة، ثم الفحمة، ثم الزلة، ثم الزلفة، ثم البهرة، ثم السحر، ثم الفجر، ثم الصبح، ثم الصباح.
وهنا تتجلى روعة العربية؛ فالليل ليس عندها كتلة واحدة من الظلام، بل مراحل وأحوال، ولكل مرحلة لفظها وصورتها ودلالتها.
العربية.. حين يصبح الزمن لغة
وليس المقصود من هذا التراث اللغوي القول إن العرب أو المسلمين كانوا أول من عرف تقسيم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة؛ فتاريخ قياس الزمن وتقسيم اليوم يمتد إلى حضارات قديمة. لكن اللافت والمثير للإعجاب هو الدقة التي تعاملت بها العربية مع أوقات اليوم والليلة، وثراء مفرداتها في وصف تحولاتهما.
فالإنسان المعاصر يقول: السادسة صباحًا، والثانية ظهرًا، والخامسة مساءً، بينما تختزن العربية ألفاظًا مثل: البكور، والغدوة، والضحى، والهاجرة، والأصيل، والعشي، والغسق، والعتمة، والسحر؛ وكل لفظ منها يحمل معنى وصورة وإحساسًا بالوقت.
وهذا الثراء ليس غريبًا على لغة القرآن الكريم، اللغة التي شرّفها الله بأن أنزل بها كتابه العزيز، فقال سبحانه:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2].
إنها لغة استطاعت أن تصف الزمن والطبيعة والإنسان والمشاعر بألفاظ دقيقة، وأن تبقى عبر القرون حاملةً للعلم والأدب والتاريخ والحضارة.
وحين نعيد اكتشاف مثل هذه الكنوز، فإننا لا نفتخر بالعربية لمجرد أنها لغتنا، بل لأننا نكتشف في كل مرة سببًا جديدًا لهذا الفخر.
ما أعظم العربية حين تقرأها بعمق.. حتى ساعات يومك التي تحسبها بالأرقام، تجد أن لها في لغتك أسماءً وحكايات.
المصدر اللغوي: «فقه اللغة وسر العربية» لأبي منصور الثعالبي.
وقد قامت صحيفة أصداء المناطق بإعداد ساعتها التالية بهذه المسميات مع احتفاظها بحقوقها في التصميم وكل ما يحفظه لها حقوق النشر السعودي




إرسال التعليق