الرمح غالٍ.. والفريسة ذبابة
المقالات : سامي مجرشي
حين تنفق دولة مشروعاً كاملاً لتصنع ميليشيا ثم تستخدمها لإرباك سفينة في مضيق يصبح السؤال مشروعاً: أهذا رأس حربة.. أم رأس حربة تبحث طهران عمّن تكسره فيه؟
الحديث عن الحوثيين كرأس حربة لطهران يمنحهم حجماً أكبر من حقيقتهم. رأس الحربة يفترض أن يعرف إلى أين يتجه أما الحوثي فليس أكثر من قناع يمني لمشروع إيراني. بندقية مستأجرة كلما احتاجت طهران إلى إطلاق النار من نافذة لا تحمل بصماتها.
تنكر إيران علاقتها بقراره ثم تتقاطع معه في السلاح والخبرة والعقيدة والمصلحة والتوقيت. مصادفات كثيرة لدرجة أن «الاستقلال» نفسه أصبح يحتاج إلى معجزة كي يصدقه أحد.
وإذا صحت التقارير عن وجود خبراء من الحرس الثوري وعناصر من حزب الله داخل منظومات الصواريخ والمسيّرات وغرف العمليات، فنحن لا نتحدث عن حليف يساعد حليفاً، بل عن يد تحاول الاختباء داخل قفاز يمني مثقوب.
طهران أتقنت هذه اللعبة منذ عقود: تصنع الوكيل وتسلحه وتشحن رأسه بالعقيدة ثم تتبرأ منه عند أول فاتورة.
يسمون ذلك «محور المقاومة».
لكن أي مقاومة هذه التي تقاوم حتى لا يبقى من الدولة شيء؟
في النموذج الإيراني تكبر الميليشيا كلما صغرت الدولة ويتضخم السلاح كلما انهار الاقتصاد وترتفع صور الزعماء كلما انخفض سقف الوطن ثم يُطلب من الجائع أن يصفق لأنه أصبح جزءاً من «محور».
إنها نفايات فكرية حين تتحول العقيدة إلى مبرر لهدم الوطن ثم يُباع الركام للناس باعتباره نصراً.
وإذا كانت طهران قد ضاقت بها مساحات المناورة في هرمز، فإن باب المندب يصبح ورقةً مغرية. ليس لأن الحوثي قادر على الانتصار في حرب كبرى بل لأنه قادر على صناعة الفوضى بكلفة لا تدفعها إيران.
وهنا عبقرية الجبن السياسي.
إيران تريد ثمن الحرب من دون أن تدفع دمها – تريد أثر الصاروخ من دون أن يحمل جواز سفرها – وتريد طاولة المفاوضات بينما الجثث تأتي من عواصم الآخرين.
لذلك فإن دفع الحوثي نحو البحر الأحمر ليس ترقيةً لدوره كما يتخيل البعض، بل قد يكون دفعاً به نحو محرقة أكبر منه.
فالرمح هذه المرة غالٍ جداً والفريسة التي يطاردها أصغر من الثمن والأشد سخرية أن اليد التي تحمل الرمح ليست اليد التي ستنزف إذا انكسر.
لقد دفعت صنعاء ثمناً فادحاً حتى الآن: دولةً ممزقةً واقتصاداً منهكاً ومجتمعاً أنهكته الحرب وأجيالاً وُلدت وهي تسمع صوت البندقية أكثر مما تسمع صوت المدرسة.
ثم يأتي من يخبر اليمني أن كل ذلك «مقاومة».
حين يصبح وطنك هو الوقود، وأطفالك هم الفاتورة، وموانئك هي ساحة الرسائل، وقرارك مربوطاً بحسابات عاصمة أخرى، فأنت لا تقود محوراً.
وهذه هي الحقيقة التي تخشاها طهران أكثر من الصواريخ:
أن تستيقظ صنعاء يوماً وتسأل الحوثي سؤالاً واحداً:
عندها لن تنفع شعارات الموت، ولن تنقذ خطابات «السيادة» أحداً.
لأن اليمنيين قد يكتشفون أخيراً أن الحرب التي دفعوا ثمنها كاملاً لم تكن حربهم أصلاً.
بقلم الكاتب : م / سامي يحي مجرشي



إرسال التعليق