×

قهوة.. أم مزايدة؟

المقالات : احمد معافا

تتسع دائرة المقاهي في مدننا وأحيائنا بصورة لافتة، حتى بات من النادر أن يخلو شارع تجاري من أكثر من مقهى، لكل واحد منها هويته وديكوره وقائمته التي تتنافس فيها أسماء القهوة ومصادرها وطرق إعدادها.

ومؤخرًا افتُتح مقهى جديد في الجهة المقابلة لمنزلي. ومن باب الاهتمام بالجوار، حتى وإن كان الجار محلًا تجاريًا، قررت بعد أيام من افتتاحه أن أزوره، لا بقصد الشراء في المقام الأول، وإنما للترحيب والمباركة، ولإشباع فضولي أيضًا حول ما يقدمه وأسعاره.

كان الاستقبال لطيفًا، وبدأت الموظفة تستعرض قائمة طويلة من المشروبات: إسبريسو، وكابتشينو، وقهوة اليوم، وقهوة باردة، ومحاصيل إثيوبية وكولومبية، وغيرها من الخيارات التي أصبحت جزءًا من ثقافة المقاهي الحديثة.

استمعت باهتمام، رغم أن ثقافتي في القهوة أكثر بساطة؛ فالقهوة بالنسبة إليّ لا تزال مرتبطة بدلة عربية، أو قهوة القشر، ومجلس هادئ يجمع الأهل والأصدقاء.

ثم انتقل الحديث إلى الحلويات وأسعارها، وهنا كان السؤال الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال.

تبدأ بعض أكواب القهوة – وفق القائمة التي عُرضت عليّ – من نحو عشرة ريالات وتصل إلى سبعة عشر ريالًا، بينما تتفاوت أسعار بعض أصناف الحلوى من سبعة ريالات إلى أكثر من عشرين ريالًا.

وهنا تساءلت: هل المنافسة في سوق المقاهي أصبحت بالجودة والقيمة التي يحصل عليها المستهلك، أم أن ارتفاع السعر نفسه أصبح أحيانًا جزءًا من صورة المنتج؟

لا اعتراض على التجارة، ولا على حق المستثمر في تحقيق الربح، كما أن للمقهى تكاليف تشغيلية متعددة؛ من الإيجار والعمالة والتجهيزات والمواد الخام إلى الخدمات والرسوم والتسويق. كذلك تختلف جودة البن وطرق تحضيره وتجربة المكان من منشأة إلى أخرى، ومن الطبيعي أن تنعكس بعض هذه العوامل على السعر.

لكن المستهلك، في المقابل، من حقه أن يسأل: ماذا أحصل عليه مقابل ما أدفعه؟

المشكلة ليست في كوب قهوة بخمسة عشر أو عشرين ريالًا بحد ذاته، وإنما في تحوله إلى عادة استهلاكية يومية لا نشعر بتكلفتها إلا بعد جمعها. فكوب بقيمة 15 ريالًا يوميًا يعني نحو 450 ريالًا شهريًا، وقد يتجاوز الإنفاق ذلك كثيرًا عند إضافة الحلوى والطلبات الأخرى.

وهنا تصبح المسألة أكبر من قهوة؛ إنها ثقافة استهلاك.

ليس كل ما يحمل اسمًا أجنبيًا ضرورة، وليس كل منتج مرتفع السعر أفضل بالضرورة، وفي الوقت نفسه ليس من الإنصاف التقليل من جودة أنواع البن المختلفة أو خبرة المختصين في تحميصه وإعداده. المطلوب ببساطة أن نعرف الفرق بين الاستمتاع الواعي والاستهلاك الذي تحركه الموضة.

القهوة المنزلية، من جانب آخر، ما زالت خيارًا جميلًا واقتصاديًا، ولها مذاق لا تصنعه أفخم الديكورات؛ مذاق البيت والضيافة والاجتماع. ويمكن للإنسان أن يشتري بنًا جيدًا ويعد قهوته بالطريقة التي يحبها، دون أن يعني ذلك مقاطعة المقاهي أو الانتقاص منها.

فالرسالة ليست: لا تذهبوا إلى المقاهي.

بل: اذهبوا إليها باختيار، لا بعادة. واشتروا ما يستحق ثمنه، لا ما يفرضه رواج الاسم والصورة.

أما أصحاب المقاهي، فالسوق اليوم مزدحم، والمستهلك أصبح أكثر وعيًا، والاستمرار لن يكون بكثرة الأسماء في قائمة المشروبات ولا برفع الأسعار وحده.

نافسوا بالجودة، وبحسن الخدمة، وبالسعر العادل، وبالابتكار، وبصناعة مكان يشعر فيه الزبون أن ما دفعه كان مقابل تجربة تستحق.

فالسوق الناجح يحتاج إلى تاجر يعرف قيمة زبونه، ومستهلك يعرف قيمة ماله.

وعندها فقط تتحول القهوة من مزايدة في الأسعار إلى منافسة في القيمة.

بقلم : أحمد عباس معافا

تعليق واحد

sami majrashi
Eng. Sami Majrashi

المزايدة الحقيقية في مقال قهوة.. أم مزايدة؟
لا تحدث على سعر الكوب فحسب بل على ما نخدع به أنفسنا من وهم شراء المساحة والوقت. نحن لا ندفع عشرين ريالاً لبذور محمصة بقدر ما ندفعها لاستئجار كرسي وهوية اجتماعية لساعة، والوعي يبدأ دائماً حين ندرك أننا نشتري المكان لا المشروب. أحسنت أستاذ أحمد في كشف هذا التحول وتذكيرنا بأن قيمة المال لا تُقاس برواج الاسم. فالسؤال الأعمق ليس عن جودة البن، بل عن مقدار المساحة التي نسمح فيها للمظاهر بأن تأكل من وعينا وادخارنا.

إرسال التعليق