73 جريحاً.. فهل اقترب الحوثي من الخط الذي لا يراه؟
المقالات : سامي مجرشي
هناك لحظة يتحول فيها الصبر من فضيلة سياسية إلى رسالة قد يسيء الخصم قراءتها.
وربما وصل الحوثيون إلى هذه اللحظة.
فحين تمتد الهجمات إلى أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، ويسقط 73 مدنياً بين مصاب ومصاب، بينهم نساء وأطفال، وتطال النيران منشآت ومرافق للطاقة، وتتوقف بعض العمليات التشغيلية مؤقتاً، فنحن لم نعد أمام استفزاز عابر على الحدود. نحن أمام محاولة لاختبار شيء أكبر : إلى أين يصل صبر السعودية؟
وهنا تبدأ القصة من مكان مختلف.
ليس من الصاروخ الذي أُطلق، بل من القرار الذي لم يُتخذ بعد.
السعودية قادرة على الرد. وهذه ليست مسألة تحتاج إلى إثبات. لكن الدول الكبرى لا تقيس قوتها بسرعة الضغط على الزناد، بل بقدرتها على ألا تسمح لخصمها باختيار ساعة المعركة نيابة عنها.
وهذا تحديداً ما قد لا يفهمه الحوثي.
فالجماعة التي اعتادت صناعة حضورها بالصاروخ والمسيّرة ورفع سقف التهديد تقرأ المشهد بعقلية الميليشيا. تضرب اليوم لتنتظر رد الغد، ثم تستخدم ذلك الرد وقوداً لروايتها السياسية في اليوم الذي يليه.
أما الدولة فتفكر بطريقة مختلفة.
قبل أن تسأل: بماذا نرد؟
تسأل: متى؟ وأين؟ وبأي ثمن؟ وماذا سيحدث بعده؟
ذلك الفارق ليس تفصيلاً. إنه الفارق بين من يبحث عن صورة انتصار، ومن يحمل مسؤولية وطن.
ولذلك فإن أكثر ما ينبغي ألا يفعله الحوثيون اليوم هو الاطمئنان إلى هدوء الرياض.
فالمملكة التي أدانت الهجمات أكدت في الوقت نفسه حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها وحماية مواطنيها والمقيمين على أرضها. هذه ليست لغة انفعال، لكنها أيضاً ليست لغة من أغلق خياراته.
وهنا يصبح الصبر السعودي أكثر إثارة للاهتمام من الرد نفسه.
لأن السعودية لا تحمي حدوداً فقط. خلف قرارها اقتصاد ضخم ومشروعات وتحول وطني وموانئ ومطارات ومنشآت طاقة ومدن وملايين البشر. وكل قرار عسكري بالنسبة إليها يجب أن يحمي كل ذلك، لا أن يمنح جماعة مسلحة فرصة جر المنطقة إلى الحرب التي تناسبها.
وفي المقابل، ماذا يحمي الحوثي؟
كلما اتسعت المواجهة وجد في الحرب مبرراً جديداً لأزماته، وكلما عاد الهدوء عاد السؤال اليمني إلى الداخل: أين الدولة؟ أين الاقتصاد؟ أين الخدمات؟ وأين مستقبل اليمن الذي استنزفته سنوات السلاح؟
ولهذا قد تكون الحرب المفتوحة أحياناً هدية مجانية للميليشيا.
والسعودية تعرف ذلك.
لكن هناك جانباً آخر لا ينبغي تجاهله.
الحوثي الذي يطلق صواريخه من اليمن لا يمكن قراءة قدراته العسكرية بمعزل عن إيران. تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة خلصت إلى أن الجماعة لا تملك بمفردها القدرة على تطوير وإنتاج منظومات معقدة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للسفن من دون دعم خارجي. وهذا يجعل النظر إلى الحوثي بوصفه ظاهرة يمنية محلية فقط قراءة مبتورة للمشهد.
فطهران لا تحتاج دائماً إلى أن تكون في مقدمة الصورة كي تكون حاضرة في المعادلة.
هذه إحدى وظائف الأذرع أصلاً.
أن تبقى النار بعيدة عن المركز، بينما تتحرك أدوات الضغط حول الخصوم.
مرة عند حدود دولة.
ومرة في ممر بحري.
ومرة قرب منشأة طاقة.
ولهذا فإن استهداف جنوب السعودية ليس شأناً سعودياً داخلياً فحسب.
عندما تصبح منشآت الطاقة هدفاً، فإن الرسالة تصل إلى الأسواق. وعندما تصبح السفن التجارية هدفاً، فإن القضية تخرج من حدود اليمن إلى البحر الأحمر. وعندما يصبح أمن الملاحة ورقة ضغط، فإن المتضرر لم يعد دولة واحدة.
وهنا ربما يرتكب الحوثيون خطأهم الأكبر.
كلما وسعوا دائرة الاستهداف، وسعوا دائرة خصومهم.
فالاعتداء على السعودية يمكن أن يحاول الحوثي تسويقه داخل خطابه باعتباره جزءاً من حربه معها.
لكن ماذا عن السفن التجارية؟
وماذا عن الملاحة الدولية؟
وماذا عن المدنيين؟
وماذا عن منشآت الطاقة التي ترتبط آثارها باقتصاد يتجاوز حدود المملكة؟
عند هذه النقطة تبدأ الرواية الحوثية في فقدان قدرتها على الاختباء خلف الشعارات.
وتبدأ الأفعال في الحديث عن نفسها.
ولهذا كان البيان السعودي لافتاً في ما لم يقله بقدر ما قاله.
لم يحدد شكل الرد.
لم يحدد توقيته.
ولم يغلق بابه.
بل وضع المعادلة بوضوح: هناك اعتداء، وهناك حق في الدفاع عن السيادة والمقدرات، وهناك مجتمع دولي طُلب منه تحمل مسؤوليته، وهناك قرارات دولية قائمة، وفي مقدمتها القراران 2216 و2722.
وهذه مساحة ينبغي أن تقلق الحوثي أكثر مما تطمئنه.
لأن أخطر الردود ليست دائماً تلك التي تأتي في اللحظة التي يتوقعها الخصم.
السعودية صبرت طويلاً لأنها تعرف كلفة الحرب.
وسعت إلى السلام لأنها تعرف قيمة الاستقرار.
وحمت مسار تنميتها لأنها تعرف ما الذي تريد الوصول إليه.
لكن من الخطأ تحويل كل ذلك إلى استنتاج واحد اسمه الضعف.
فالصبر السعودي ليس شيكاً مفتوحاً.
وإذا كان الحوثيون قد قرأوا السنوات الماضية باعتبارها دليلاً على أن مساحة الحركة أمامهم بلا سقف، فإن 73 مدنياً مصاباً، واستهداف أربع مدن سعودية ومنشآت اقتصادية وطاقة، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، قد تكون هي الأرقام التي تغيّر الحسابات لا لأنها الأكبر، بل لأنها تعيد تعريف السؤال.
لم يعد السؤال: هل تستطيع السعودية الرد؟
الجميع يعرف الإجابة.
السؤال أصبح : متى ترى السعودية أن كلفة الصبر أصبحت أعلى من كلفة الرد؟
وعندها لن يكون السؤال الأصعب في الرياض.
بل في صنعاء وطهران.
هل يدرك الحوثيون أن للصبر السعودي حداً قبل أن يصلوا إليه، أم أنهم سيواصلون اختبار المملكة حتى يكتشفوا أن آخر خطأ ارتكبوه لم يكن الهجوم نفسه.. بل سوء تقدير الدولة التي هاجموها؟
بقلم الكاتب : م / سامي يحي مجرشي



إرسال التعليق