وعي أبنائنا.. حصن المستقبل
المقالات : مسعود جابر الفيفي
في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة تصل إلى أبنائنا قبل أن نسألهم عنها، وتدخل فيه الأفكار إلى البيوت عبر هاتف صغير لا يعرف حدودًا جغرافية ولا زمنية، لم يعد بناء الوعي الفكري ترفًا تربويًا، بل أصبح ضرورة لحماية الأجيال وصناعة مستقبل أكثر وعيًا واتزانًا.
فالوعي الفكري لا يعني أن نضع أبناءنا في عزلة عن العالم، ولا أن نختار لهم كل ما يقرؤون ويشاهدون، وإنما أن نمنحهم القدرة على التفكير والتمييز والسؤال والتحقق؛ حتى يستطيعوا بأنفسهم التفريق بين الحقيقة والشائعة، وبين الرأي والمعلومة، وبين النقد البنّاء والخطاب المتعصب.
لقد تغير العالم من حولنا كثيرًا. فأبناؤنا اليوم يعيشون وسط تدفق هائل من الأخبار والمقاطع والآراء والمحتوى الرقمي، وقد يتعرضون خلال دقائق لأفكار ومعلومات لم تكن تصل إلى الأجيال السابقة إلا بعد سنوات من القراءة والتجربة.
وهنا تبرز مسؤولية الأسرة.
ليس المطلوب من الأب والأم مراقبة كل شاشة طوال الوقت، فهذا يكاد يكون مستحيلًا، ولكن المطلوب أن يكون الحوار حاضرًا داخل المنزل، وأن يجد الابن أو الابنة مساحة آمنة للسؤال والمناقشة، وأن يتعلموا أن السؤال ليس خطأ، وأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن كل ما يُنشر أو يتداول ليس بالضرورة حقيقة.
ومن أهم ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا أن نعلمهم سؤالًا بسيطًا قبل تصديق أي معلومة:
من قال هذا؟ وما مصدره؟ وهل يمكن التحقق منه؟
ثلاثة أسئلة صغيرة قد تصنع فارقًا كبيرًا في طريقة تعامل جيل كامل مع العالم الرقمي.
كما أن الوعي الحقيقي يبدأ بالقدوة؛ فلا يمكن أن نطالب أبناءنا بالتثبت من الأخبار ونحن نسارع إلى إعادة إرسال كل ما يصل إلينا، ولا أن نعلمهم احترام الرأي الآخر بينما يشاهدوننا نتعصب لرأينا، ولا أن ندعوهم إلى الحوار الهادئ إذا كان الاختلاف داخل المنزل يتحول إلى غضب وتجريح.
إن الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام شركاء في هذه المسؤولية. فالمدرسة تبني المعرفة، والأسرة ترسخ القيم، والمجتمع يعزز الانتماء، والإعلام المهني يقدم المعلومة المسؤولة، وحين تتكامل هذه الأدوار ينشأ جيل أكثر قدرة على مواجهة التضليل والتطرف والتعصب والانجراف خلف الشائعات.
ومن أهم ركائز الوعي كذلك تعزيز حب الوطن والانتماء إليه؛ ليس بالشعارات وحدها، وإنما بمعرفة منجزاته، والمحافظة على مقدراته، واحترام أنظمته، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع، والإيمان بأن المواطن الواعي شريك في البناء والتنمية.
أبناؤنا أمانة، لكنهم أيضًا مشروع وطن ومستقبل أمة.
فلنمنحهم المعرفة بدل الخوف، والحوار بدل المنع المجرد، والتفكير بدل التلقين، والقدوة قبل النصيحة.
فالطفل الذي نعلّمه اليوم كيف يفكر، وكيف يتحقق، وكيف يحترم الاختلاف، سيكون غدًا أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح، وأكثر مناعة أمام التضليل، وأكثر اعتدالًا في مواقفه، وأكثر إخلاصًا لدينه ومليكه ووطنه.
إن أعظم حماية نقدمها لأبنائنا ليست أن نحجب عنهم العالم، بل أن نبني داخلهم وعيًا يجعلهم قادرين على مواجهته.
بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية
مسعود بن جابر جبرن الفيفي



2 comments