لا تُثقِل صحيفتك
المقالات : فهد السبعي
ذات يوم، اشترى أخي أرضًا بحجتها وشهودها وحدودها القائمة، واشترى معها طمأنينة من يظن أن الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى كثير جدال، « باع فلان ابن فلان قطعة الأرض الواقعة في كذا و كذا بيعًا صحيحًا نافذًا، لا شرط فيه ولا خيار، ولا وجه من وجوه الفساد».
كانت الأرض معروفة المعالم منذ زمن بعيد، حتى إن حدودها سبقت أعمارنا، وما إن بدأنا تنظيفها حتى أوقفني أحد المجاورين وقال إن جزءًا منها له.
جئته بالطيب، فالحق لا يحتاج إلى خصومة، وحاولت أن أفتح بيننا بابًا ينتهي عنده الخلاف قبل أن يبدأ، لكنه أصرّ ورفض.
عدت إلى أبي وأخبرته.
أطرق رأسه، وضرب كفًا بكف، وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
ثم اتصل بشيخ القرية ووجهائها ، واجتمعنا على الأرض. أُخرجت الحجج، ونُظرت الأوراق، وتكلم الشهود، ثم قال إمام القرية للرجل: «إما أن تثبت ما تدعيه بدليلك، أو تستقطعه بيمينك».
فقال الرجل: «والله، لو جلستُ فيها وقضيتُ حاجتي بها ألف مرة، ما حلفت أنها لي».
فسأله الشيخ: «فكيف تقول إذن إنها لك؟»
ثم طلب أبي مني أن أعطي الرجل الأسياخ ليحدد بنفسه أين تبدأ حدوده وأين تنتهي. أخذها، ومشى بها على الأرض، حتى انتهى الأمر، وعرف كل واحد حدّه.
عدنا بعد صلاة المغرب، وجلسنا نشرب الشاي، وأنا أظن أن الحكاية انتهت.
لكن أبي كان ينظر إلى مكان آخر.
رأيت الدمع في عينيه، فسألناه: «ماذا بك يا أبي؟»
قال: «فلان حمل اليوم نفسه حملًا عظيمًا، حمل جزءًا من أرض أخيك على ظهره يوم القيامة».
قلت له: «يا أبي، الأرض عادت إلى صاحبها، والأمر انتهى».
فنظر إليّ وقال كلمة لم أفهمها يومها، وفهمتها بعد سنوات:
«يا ابني، أنا لست مهتمًا بالأرض، وإنما أخشى على الرجل أن يلقى الله بهذا الذنب».
كبرت الأيام، وتغيرت المواقف، حتى جاء يوم وجدت فيه من يتهمني بما لم أفعل، ويزيد في الكلام وينقص، وينكر معروفًا، ويضع على ظهري حملًا لم أحمله.
كنت أقود سيارتي يومها، فإذا بي أضرب كفًا بكف، وتذرف عيني، وأقول:
«إنا لله وإنا إليه راجعون… ما ذنب هذا الإنسان أن يحمل نفسه ما لا يطيق؟»
وهنا فقط فهمت أبي.
فبعض الناس لا ينتبهون إلى أن الخصومة ليست فيما قيل فقط، بل فيما سيُحمل بعد أن ينتهي الكلام.
قد تملك اليوم أن ترفع قضية، أو تصعّد خلافًا، أو تزيد كلمة، أو تقتطع من الحقيقة ما يخدم موقفك، وقد تظن أنك بذلك تحمي حقًا، أو تحفظ أمانة، أو تنتصر للإنصاف؛ لكنك أحيانًا، وأنت ترفع الأمر من قاع الأرض، لا تنتبه أنك ترفعه إلى السماء.
كان يمكن أن ينتهي الأمر في الدنيا بكلمة طيبة، أو مجلس صلح، أو بيّنة، أو تنازل يحفظ الود ولا يضيّع الحق. لكن حين نترك كل الحلول الممكنة، ونختار أقسى الطرق، فإننا لا نكبّر القضية وحدها؛ بل نكبّر معها ما قد تحمله ظهورنا إلى يوم لا تنفع فيه التبريرات.
وليس كل انتصارٍ في الدنيا انتصارًا.
قد تنتصر في مجلس، وتخسر قلبًا.
وقد تنتصر في خصومة، وتخسر سلامك.
وقد تثبت للناس أنك كنت على حق، ثم تكتشف أنك ظلمت في طريق إثباته.
لذلك، لا تسأل نفسك دائمًا: كيف أنتصر؟
اسألها قبل ذلك: كيف أنهي الأمر دون أن أظلم؟
فالأمانة ليست أن تنتصر لرأيك، وإنما أن تؤدي الحق كما هو. والإنصاف ليس أن تأخذ ما تراه لك، وإنما أن تنصف حتى من تختلف معه. والقوة ليست أن تملك طريق التصعيد، بل أن تملك نفسك حين تستطيع أن تصعّد.
يا من تحمل خصومة اليوم، تذكر أنها قد تكون غدًا حملًا.
ويا من تزيد في كلمة، تذكر أن ما يخرج من فمك قد يصبح شيئًا تحمله في صحيفتك.
ويا من تستطيع أن تنهي الخلاف في الأرض، فلا تجعله قضية في السماء.
فالدنيا قصيرة، والقلوب لا تستحق أن تُحرق من أجل كل خلاف، والحقوق لا يجوز أن تُهضم، لكن الخصومات أيضًا لا ينبغي أن تتحول إلى أبواب من الظلم.
حلّ ما استطعت أن تحله هنا.
اعتذر ما استطعت أن تعتذر عنه هنا.
ردّ الحق هنا.
سامح هنا.
فالفرصة التي بين يديك اليوم لن تكون بالاتساع نفسه غدًا.
وقد يغلق الناس الملف، لكن الله لا يغلق الصحيفة.
وقد ينسى الناس ما قيل، لكن الحقيقة لا تنسى.
وقد ينجو الإنسان من قاضي الأرض بحكمٍ أو تأويل، لكن لا أحد ينجو من قاضي السماء إلا بالحق والرحمة.
ولهذا، كلما هممت أن أدخل خصومة، أتذكر أبي، وأتذكر دمعته، وأتذكر يديه وهما تضربان كفًا بكف، وأسمع صوته من بعيد:
«يا ابني… لا تحمل نفسك ما لا تطيق».
فما أكثر ما يستطيع الإنسان أن يتركه في الدنيا، قبل أن يضطر إلى حمله في الآخرة.
اليوم دنيا… وغدًا آخرة.
فلا تجعل خلافًا عابرًا يترك في صحيفتك أثرًا لا تستطيع محوه.
ولا تحملها إلى السماء، ما دمت تستطيع أن تحلها على الأرض.
بقلم ✍️ فهد بن إسماعيل السبعي



تعليق واحد