×

أصدقاء ما بعد التقاعد

المقالات : احمد عباس معافا

حين تنتهي زمالة العمل.. وتبدأ صداقات لم تكن في الحسبان

بعد أن تقاعدت وفارقت زملائي، وابتعدت عن كثير من الأصدقاء الذين جمعتني بهم سنوات طويلة من العمل والرفقة والمواقف، وجدت نفسي فجأة أمام فراغ لم أكن مستعدًا له.

لسنوات طويلة كنت أخرج من البيت صباحًا، ألتقي بزملائي، نتبادل الأحاديث والضحكات، نختلف ونتفق، نشرب القهوة معًا، ونعيش تفاصيل يومية بسيطة لم نكن ندرك قيمتها في وقتها.

ثم جاء التقاعد..

وفجأة انتهت تلك التفاصيل.

لم يعد هناك من ينتظرك في المكتب، ولا صوت زميل يناديك من آخر الممر، ولا اجتماع تشارك فيه، ولا حديث عابر تقطعه ضحكة أو تعليق.

وجدت نفسي لفترة من الزمن منغلقًا على ذاتي؛ من البيت إلى المسجد، ومن المسجد إلى السوق، ثم العودة إلى البيت.. وهكذا تمضي الأيام.

في البداية قلت لنفسي: إنها مرحلة وسأتعود.

لكن الأيام بدأت تتشابه، والأسابيع تمر، وأصبح للوقت طعم مختلف. وحين حاولت أن أجد لنفسي مساحة تعيد إليّ شيئًا من التواصل الذي افتقدته، فتحت حسابًا في «تويتر»، لكنني لم أجد نفسي هناك، ولم أشعر بأن المكان يشبهني، فاتجهت إلى «فيسبوك».

وهناك بدأت حكاية لم أخطط لها.

تعرفت على أشخاص لم أكن أعرفهم من قبل؛ بعضهم من منطقتي، وبعضهم من مناطق أخرى، وبعضهم لم تجمعني به في الواقع أي معرفة سابقة.

في البداية كانوا مجرد أسماء وصور وتعليقات ومنشورات.. صداقات افتراضية لا أكثر.

لكن شيئًا فشيئًا، بدأت تلك العلاقات تأخذ شكلًا مختلفًا؛ تعليقات تتبعها رسائل، ورسائل تتحول إلى أحاديث، ثم قصص وذكريات ومواقف نتشاركها.

واكتشفت أن بين هؤلاء من يشبهني كثيرًا، وكان اللافت أن عددًا كبيرًا منهم من المتقاعدين أيضًا.

حينها أدركت أنني لم أكن وحدي.

هناك كثيرون يعيشون التجربة ذاتها؛ يغادرون أعمالًا أمضوا فيها سنوات طويلة، ويفقدون جزءًا من دائرة العلاقات التي اعتادوها، ثم يجدون أنفسهم يبحثون عن صحبة جديدة، وعن شخص يسمعهم ويشاركهم الحديث.

ومع مرور الوقت، لم تعد بعض تلك العلاقات بالنسبة لي مجرد صداقات خلف شاشة.

خرج بعضها إلى الواقع.

التقينا، وتعارفنا، وجلسنا معًا، واكتشفت أن الإنسان قد يلتقي شخصًا للمرة الأولى، لكنه يشعر وكأنه يعرفه منذ سنوات.

وهكذا تحولت بعض الصداقات الافتراضية إلى صداقات حقيقية، وأصبح أولئك الأصدقاء جزءًا من يومي؛ نتحدث ونضحك، نستعيد الذكريات، ونحكي عن أيام العمل، والأبناء، والسفر، وعن الحياة بعد التقاعد.

وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى شيء كبير..

يكفي أن يجد شخصًا يسأله: «كيف حالك؟».

أو يرسل له رسالة عابرة: «وينك اليوم؟».

كلمات قليلة، لكنها تمنحك شعورًا جميلًا بأن هناك من لاحظ غيابك، ومن افتقد حضورك.

مرت الأيام والسنوات، وأصبح لي عالم جديد لم أخطط له، وأصدقاء لم أبحث عنهم في الأصل، لكنهم دخلوا حياتي وأصبح لهم مكان فيها.

وأدركت مع الوقت أن الصداقة ليست مرتبطة بمكان العمل، ولا بعدد سنوات المعرفة، ولا حتى بطريقة اللقاء الأول.

فالصداقة الحقيقية قد تبدأ بكلمة، أو موقف، أو اهتمام صادق.. ثم تكبر مع الأيام.

وفي يوم من الأيام، وبينما كنت في أحد الأماكن، قابلت بالصدفة أحد زملائي القدامى.

تبادلنا السلام، وسألني عن أحوالي، ثم نظر إليّ وقال بعفوية:

«مالك ما تجي تبسط معنا؟».

كانت جملة بسيطة جدًا، لكنها أعادتني في لحظة إلى سنوات مضت.

تذكرت زملائي، ومجالسنا، وضحكاتنا، وتلك الأيام التي كنا نظن – من فرط اعتيادنا عليها – أنها ستستمر إلى الأبد.

وتساءلت بيني وبين نفسي:

هل أنا الذي ابتعدت؟

أم أن الحياة هي التي أخذت كل واحد منا في طريق؟

وهل التقاعد يعني أن نتقاعد من العمل فقط، أم أننا أحيانًا، ومن دون أن نشعر، نتقاعد حتى من بعض علاقاتنا؟

الحقيقة أنني لم أترك زملائي لأنني لم أعد أريدهم، ولم أنسَ الأيام التي جمعتني بهم. لكن الإنسان بعد التقاعد يمر بمرحلة غريبة؛ يفقد فيها شيئًا من روتينه، ومكانه، ودوره، ووجوده اليومي بين الناس، ثم يبدأ رحلة البحث عن نفسه من جديد.

وأنا وجدت جزءًا من نفسي بين أصدقاء لم أكن أعرفهم قبل سنوات.

قد يكون التعارف بدأ من خلف شاشة، لكن المشاعر كانت حقيقية، والضحكة حقيقية، والسؤال عن الحال كان حقيقيًا، والوقوف إلى جانبك حين تحتاج إلى كلمة طيبة كان حقيقيًا أيضًا.

ولهذا أصبحت أؤمن أن الصداقة لا تُقاس بالمسافة، ولا بعدد سنوات المعرفة، وإنما بصدق الشعور وحسن العِشرة.

هناك أشخاص عرفتهم سنوات طويلة، ولم يبقَ بيننا اليوم إلا السلام.

وفي المقابل، هناك أشخاص عرفتهم متأخرًا، لكنهم تركوا أثرًا جميلًا في حياتي.

وربما تكون هذه واحدة من أجمل مفاجآت الحياة؛ أن تظن أنك بعد التقاعد فقدت جزءًا من عالمك وأصدقاءك، ثم تكتشف أنك كنت على موعد مع عالم آخر وأصدقاء جدد.

أن يُغلق باب ظننته نهاية مرحلة، فيُفتح أمامك باب لم تكن تتوقعه.

أما زميلي القديم الذي قال لي: «مالك ما تجي تبسط معنا؟»، فقد جعلني أفكر طويلًا في تلك السنوات التي مضت ولن تعود.

وربما كان سؤاله البسيط بداية عودة إلى حكاية أخرى..

حكاية زملاء الأمس وأصدقاء اليوم.

وحكاية الإنسان الذي قد يتقاعد من وظيفته، لكنه لا يتقاعد أبدًا من حاجته إلى الناس، وإلى الصحبة، وإلى الضحكة، وإلى ذلك الشعور الجميل بأن هناك من يسأل عنه إذا غاب.

ويبقى السؤال:

هل التقاعد نهاية لبعض العلاقات القديمة، أم أنه بداية مرحلة جديدة نكتشف فيها معنى الصداقة من جديد؟

إرسال التعليق