السقيا في فيفاء.. حين يصبح إثبات السكن أثقل من طلب الماء
المقالات : مسعود جابر الفيفي
تظل الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية من أهم الملفات التي يضطلع الإعلام المحلي بمسؤوليته تجاهها؛ ليس بحثًا عن الإثارة أو توجيه الاتهامات، وإنما نقلًا للملاحظة، وفتحًا لباب التوضيح، وإسهامًا في الوصول إلى حلول تحفظ حق المواطن وتعين الجهات المختصة على أداء رسالتها.
ومن هذا المنطلق، برزت في محافظة فيفاء ملاحظات عدد من المواطنين حول الإجراءات المرتبطة بخدمة السقيا للمنازل التي لا تصل إليها شبكة المياه، وتحديدًا نموذج «إقرار مشهد إثبات السكن الخاص بالسقيا»، وما يتضمنه من صياغة ومتطلبات يرى مواطنون أنها تحتاج إلى إعادة نظر وتبسيط.
النموذج، وفق ما اطلعت عليه الصحيفة من إفادات، يطلب من المستفيد الإقرار بأنه من سكان القرية ويقيم فيها إقامة دائمة غير منقطعة، وأن جميع المعلومات المدونة صحيحة، مع الإشارة إلى حق شركة المياه الوطنية وإدارة السقيا في اتخاذ اللازم حال عدم صحة البيانات، إلى جانب بيانات الهوية والتوقيع ووجود شاهدين.
وهنا يطرح المواطنون سؤالًا مشروعًا: هل تتطلب خدمة السقيا كل هذه الإجراءات لإثبات السكن، أم يمكن تحقيق الغاية التنظيمية بوسائل أبسط وأكثر مرونة؟
لا خلاف على حق الجهة المختصة في التحقق من استحقاق المستفيد، والمحافظة على المال العام، وضمان وصول الخدمة إلى مستحقيها، بل إن ذلك واجب تنظيمي لا يمكن الاعتراض عليه من حيث المبدأ. لكن المطلوب في الوقت ذاته هو تحقيق التوازن بين الرقابة والتيسير، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بخدمة أساسية كالمياه.
ويرى مواطنون أن إثبات السكن يمكن أن يتم من خلال وسائل رسمية متاحة، كالعنوان الوطني، أو فاتورة الكهرباء، أو مشهد معتمد من الجهة المحلية المختصة، متسائلين عن مدى الحاجة إلى الجمع بين أكثر من وسيلة إثبات إذا كانت إحداها كافية للتحقق من محل إقامة المستفيد.
الماء أولًا.. والإجراء وسيلة لا غاية
خدمة السقيا للمواقع التي لم تصل إليها شبكات المياه تؤدي غرضًا إنسانيًا وخدميًا بالغ الأهمية، ولذلك فإن الإجراءات المنظمة لها يفترض أن تحقق هدفين متوازيين: ضمان وصول المياه إلى المستحق الفعلي، وعدم تحميله إجراءات يمكن الاستعاضة عنها بوسائل تحقق رسمية أكثر سهولة.
فالمواطن الذي يعيش في منطقة جبلية ويطلب وصول المياه إلى منزله لا ينبغي أن يشعر أن إثبات استحقاقه أصبح أكثر تعقيدًا من الخدمة نفسها، وفي المقابل يجب ألا تُترك الخدمة دون ضوابط تحميها من الاستغلال.
وهنا تظهر أهمية مراجعة النماذج والإجراءات دوريًا؛ فما كان ضروريًا في مرحلة سابقة قد تتوافر اليوم بدائل رقمية ورسمية تغني عنه.
وماذا عن مصدر مياه السقيا؟
الملاحظة الأخرى، وربما الأكثر أهمية، تتعلق بما ذكره مواطنون بشأن مصدر المياه التي تنقلها بعض صهاريج السقيا.
وتلقت الصحيفة إفادات تفيد بأن بعض عمليات التعبئة – بحسب ما ذكره المواطنون – تتم من مصادر مياه غير محطات التحلية، وأن طلب التعبئة من مياه التحلية قد يترتب عليه مبلغ إضافي يصل إلى 100 ريال.
وهذه النقطة تحديدًا لا ينبغي الجزم بصحتها قبل توضيح الجهة المختصة والمتعهدين، لكنها في الوقت نفسه تستحق إجابة واضحة؛ لأن الأمر يتعلق بمياه تصل إلى منازل المواطنين.
ومن هنا نسأل الجهة المعنية بكل مهنية: ما المصادر المعتمدة لتعبئة صهاريج السقيا في فيفاء؟ وهل جميعها خاضعة للفحص والرقابة؟ وهل يسمح للمتعهد بطلب مبالغ إضافية مقابل التعبئة من مصدر معين؟ وما القيمة المعتمدة التي يتحملها المستفيد إن وجدت؟
الإجابة الرسمية عن هذه الأسئلة من شأنها إزالة اللبس وطمأنة المستفيدين، وإنهاء ما قد يتداول من معلومات غير دقيقة.
المواطن لا يطلب استثناءً.. بل التيسير
الملاحظات التي يطرحها الأهالي لا تعني المطالبة بإلغاء التنظيم أو فتح الخدمة دون ضوابط، وإنما تتمحور حول ثلاثة مطالب يمكن للجهة المختصة دراستها: إعادة النظر في صياغة نموذج إثبات السكن بلغة إدارية مبسطة، ودراسة الاكتفاء بإحدى وسائل الإثبات الرسمية الموثوقة بدل تعدد الإثباتات والشهود متى كان ذلك ممكنًا نظامًا، والتأكد من مصادر مياه السقيا وآلية تسعير النقل ومنع تحصيل أي مبالغ غير معتمدة.
وفي المقابل، فإن من حق شركة المياه الوطنية – فرع منطقة جازان أن توضح مبررات هذه الإجراءات، والضوابط المنظمة لخدمة السقيا، ومصادر المياه المعتمدة، وما إذا كانت هناك مبالغ مقررة رسميًا يتحملها المستفيد.
الإعلام ينقل.. والجهة توضح
إن طرح هذه القضية لا ينتقص من جهود شركة المياه الوطنية والعاملين فيها، ولا يتجاهل حجم التحديات التي تواجه إيصال المياه إلى المناطق الجبلية، ومنها محافظة فيفاء، وإنما يأتي انطلاقًا من وظيفة الإعلام في نقل صوت المواطن بمهنية، ووضع الملاحظة أمام المسؤول دون تجريح أو اتهام.
فالجهات الخدمية والمواطن والإعلام شركاء في غاية واحدة: خدمة الإنسان وتحسين جودة حياته.
ونحن في «أصداء المناطق» إذ ننقل هذه الملاحظات، فإننا نضعها أمام المسؤولين في شركة المياه الوطنية بمنطقة جازان بكل تقدير، ونفتح المجال أمام الشركة لتوضيح الإجراءات والرد على ما ورد من ملاحظات، إيمانًا بأن الحقيقة تكتمل بسماع جميع الأطراف.
ويبقى السؤال الذي يلخص القضية:
إذا كان بالإمكان إثبات استحقاق المواطن للسقيا بإجراء رسمي واحد يحفظ حق الدولة وكرامة المستفيد، فلماذا لا يكون التيسير هو الطريق الأقصر إلى الماء؟
بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية
مسعود بن جابر جبران الفيغي


2 comments