لا تفك عقال الحكمة
المقالات : علي المحنشي
كثيرًا ما يبدأ إشعال الخلاف بسؤال يبدو عابرًا: «سمعت فلان وش قال عنك؟»، وكأن ناقله يحمل إليك خبرًا يهمك، بينما قد يحمل في طياته شرارة فتنة، أو بذرة شك تُزرع في قلبك تجاه إنسان لم تسمع منه شيئًا، ولم يواجهك بما نُسب إليه.
الحقيقة أن ليس كل ما يُقال عنك يستحق أن تسمعه، وليس كل من ينقل إليك الكلام ناصحًا أو حريصًا عليك. فقد ينقل كلمة، لكنه ينقل معها توترًا وخصومة، وربما أفسد علاقةً كانت مستقرة بسبب حديث لا تعرف ظروفه ولا سياقه ولا مدى صحته.
ومن هنا تأتي الحكمة: لا تجعل أذنك بوابةً مفتوحة لكل ما يُقال، ولا تسمح لكلام الآخرين أن يستفزك أو ينتزعك من هدوئك واتزانك. فبعض الكلمات حين تدخل النفس بلا تثبّت، قد تفك عقال الحكمة عن العقل، وتدفع الإنسان إلى موقف يندم عليه لاحقًا.
والعاقل ليس من يسمع كل شيء، بل من يعرف متى يسمع، ومتى يتثبت، ومتى يتجاوز. ومن أجمل ما يمكن أن يقوله لمن يأتيه ناقلًا كلام الآخرين:
«إن كان لديه شيء تجاهي، فليقلْه لي مباشرة، أما الكلام الذي يدور خلف ظهري فلا أريد أن أجعله يعيش في صدري.»
فالناس يتحدثون، وقد يمدحون اليوم ويذمون غدًا، وتتبدل آراؤهم بتبدل المواقف والظروف. أما الإنسان الحكيم فلا يجعل أذنه صندوقًا لكل كلام، ولا قلبه ساحةً لكل قيل وقال.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أصل عظيم في التعامل مع الأخبار، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
فالتثبت ليس ضعفًا، والتجاهل ليس عجزًا، والامتناع عن ملاحقة الكلام ليس هروبًا؛ بل قد يكون كل ذلك من تمام العقل وحسن التدبير.
وتذكّر دائمًا تلك الحكمة البليغة: «من نقل لك، نقل عنك». فمن اعتاد حمل الكلام بين الناس، قد يحمل كلامك يومًا إلى غيرك. لذلك لا تمنح ناقل الحديث مساحةً أكبر مما يستحق، ولا تجعل مجلسك محطةً لعبور الكلمات التي تفسد القلوب والعلاقات.
كن أكبر من الكلام، وأهدأ من القيل والقال. فليس من الحكمة أن تخسر إنسانًا بسبب كلمة لم تسمعها منه، وليس من القوة أن ترد على كل ما يُقال عنك.
بعض الكلام لا يحتاج إلى رد، وبعض الناقلين لا يستحقون الإنصات، وبعض العلاقات لا يحفظ صفاءها إلا قدرٌ من التجاهل.
وراحة القلب تبدأ حين تتوقف عن مطاردة كل كلمة قيلت عنك، وحين تدرك أن قيمتك لا يصنعها حديث الناس، وأن معرفتك بنفسك وأخلاقك ومواقفك أصدق من أحاديث تتناقلها المجالس.
وفي الختام…
ليس كل ما تسمعه حقيقة، وليس كل ما يُقال عنك يستحق أن يغيّرك أو يعكر صفوك. فاحفظ عقلك، وصُن قلبك، وتمسّك بهدوئك، ولا تفك عقال الحكمة من أجل كلمة عابرة.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي


إرسال التعليق