حين يندثر التراث.. تضيع ذاكرة الوطن
المقالات : إبراهيم النعمي
حين يرحل التراث.. ماذا يبقى من ذاكرة المكان؟
التراث ليس مجرد أدوات قديمة نحتفظ بها في زوايا البيوت، ولا مهنًا اندثرت مع مرور الزمن، بل هو حكاية وطن، وذاكرة أجداد، وهوية أمة تتناقلها الأجيال. وفي كل قطعة تراثية قصة، وفي كل حرفة قديمة مهارة وإبداع، وفي كل نقش أو صناعة ملامح من حياة آبائنا وأجدادنا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نكتفي بالإعجاب بتراثنا، أم نعمل جادين على حمايته من الاندثار؟
هذا السؤال كان محور حوار ثري دار في أحد المجالس، حوار أعاد إلى الواجهة قضية مهمة تتعلق بتراثنا الوطني، وبالحرفيين والحرفيات الذين يحملون على عاتقهم أمانة المحافظة على هذا الإرث الجميل، في وقت بدأت فيه بعض الحرف والمهن التقليدية تنحسر شيئًا فشيئًا أمام متغيرات الحياة الحديثة.
دار حوارٌ ثريّ بين شخصين في أحد المجالس، كان محوره التراث الوطني وكيفية المحافظة عليه من الاندثار.
وحقيقةً، كان الحوار جميلًا وممتعًا، أُدير بحكمة وحنكة واقتدار، خاصةً أن أحد المتحاورين متمرس في هذا المجال منذ عشرات السنين، ويمتلك معرفة واسعة بتفاصيل التراث الشعبي والحرف التقليدية.
إن تراثنا الوطني الذي توارثته الأجيال، وما يمارسه بعض الحرفيين والحرفيات من صناعات ومهن شعبية، أصبح مهددًا بالاندثار، ولم يعد يمارس هذه المهن إلا فئة قليلة، وبعضهم يمارسها على سبيل الهواية وليس كمهنة ومصدر دخل.
ويرجع ابتعاد كثير من الحرفيين والحرفيات عن هذه المهن إلى كونها شاقة وتحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، في حين أن العائد المادي من تكلفة صناعتها لا يوازي ما يبذلونه من جهد، ولذلك اتجه بعضهم إلى مهن أخرى أقل مشقة وأكثر دخلًا.
ومن المؤسف أن يؤدي ذلك إلى انتشار بعض المنتجات المستوردة من الدول المجاورة، ثم إعادة بيعها على أنها تراث محلي، رغم أنها في الحقيقة قد تكون قريبة الشبه من تراثنا الشعبي، لكنها ليست بالضرورة من منتجاتنا التراثية الأصيلة.
وهنا تبرز أهمية دعم الحرفيين والحرفيات، وتشجيعهم على الاستمرار في هذه المهن، من خلال إقامة المعارض والأسواق التراثية، وتوفير منافذ بيع مناسبة لمنتجاتهم، وتعريف المجتمع بقيمة هذه الصناعات وأهميتها الثقافية والتاريخية.
والجميل في الفترة الأخيرة هو اهتمام عدد من شبابنا وفتياتنا بالتراث الوطني، وامتلاكهم شغفًا حقيقيًا بالحرف القديمة، إلى جانب مهاراتهم في إعادة تدوير بعض الأدوات والأشياء القديمة وتحويلها إلى منتجات جديدة تحمل روح الماضي وجمال الحاضر.
إن المحافظة على التراث ليست مسؤولية فرد أو جهة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والجهات المعنية؛ لأن التراث يمثل ذاكرة الوطن وهويته وامتداد أجياله.
وإذا كنا نريد لتراثنا أن يبقى حيًا، فعلينا ألا نكتفي بالحديث عنه، بل أن ندعم من يمارسه، ونعلّمه لأبنائنا وبناتنا، ونوثقه، ونشجع الحرفيين على الاستمرار فيه.
فالتراث الذي لا نحافظ عليه اليوم، قد يبحث عنه أبناؤنا غدًا فلا يجدونه.
إن المحافظة على التراث ليست محافظةً على أدواتٍ ومهنٍ قديمة فحسب، وإنما هي محافظة على ذاكرة وطن، وقصة أجداد، وهوية مجتمع يجب أن تبقى حاضرة في وجدان الأجيال القادمة.
بقلم الإعلامي والكاتب : ابراهيم بن خسن النعمي


إرسال التعليق