×

حسن الأمير يعيد دفء الثقافة إلى جازان


جازان – حمد دقدقي

في مساءٍ ماطر.. تلتقي الثقافة بالإعلام


هناك أمسياتٌ تمر كما تمر الأيام، لا تترك سوى أثر الوقت، وأخرى تتجاوز حدود الزمن لتغدو محطةً مضيئةً في الذاكرة، لأن الأرواح التي تجتمع فيها أكبر من المناسبة، ولأن الكلمات التي تُقال تصبح امتدادًا لتاريخٍ من الوفاء والمحبة والثقافة.
وفي مساء السبت 25 يوليو 2026م، الموافق 11 صفر 1448هـ، استقبلت مدينة جازان إحدى تلك الأمسيات الاستثنائية، حين عاد الأديب والشاعر ومدير أكاديمية صبا للثقافة والفن، الدكتور حسن أحمد الأمير، بعد رحلة علاج رافق خلالها زوجته الكريمة “أم نواف”، وقد أنعم الله عليها بالصحة والعافية.
بدأ اللقاء في فندق فاندلاند بمدينة جيزان، حيث اجتمع عددٌ من الإعلاميين والمثقفين والأصدقاء، يتقدمهم الإعلامي إبراهيم النعمي، والأستاذ رمضان مجممي، والأستاذ جبريل خبراني، إلى جانب نخبة من الزملاء الذين جسّد حضورهم عمق المحبة والمكانة التي يحظى بها الدكتور حسن الأمير في الوسطين الثقافي والإعلامي.
وفي أجواءٍ امتزجت برائحة المطر وعبق القهوة العربية، عادت المجالس إلى دفئها المعتاد، وتحوّلت فناجين القهوة وحبات التمر إلى لغةٍ تختصر أصالة الضيافة السعودية، حيث تبدأ الحكايات من فنجان، وتنتهي إلى مودةٍ لا يغيّبها الغياب.
ولأن الدكتور حسن الأمير يحمل تجربةً ثريةً في ميادين الأدب والتعليم والثقافة، فقد اصطحب الحاضرين في رحلةٍ عبر الذاكرة، استعاد خلالها ملامح المكان، وأضاء محطاتٍ من التراث، وتحدث عن رسالة التعليم، وجمال الحرف العربي، وقيمة الإنسان بوصفه جوهر كل مشروعٍ ثقافي وحضاري.
جاء حديثه هادئًا في نبرته، عميقًا في معناه، فلامس القلوب بعفوية الصادقين، وأكد أن الكلمة حين تخرج من القلب تجد طريقها إلى القلوب دون عناء.
وانتقل الحضور بعد ذلك إلى بيت الثقافة بجازان، حيث اتسعت الأمسية لتصبح احتفاءً بالمكان الذي يحتضن المعرفة والإبداع. ففي أروقته بدت الكتب شاهدةً على تاريخ الثقافة، والورش الفنية تنبض بالحياة، والخزف يحوّل الطين إلى ذاكرة، والخط العربي يرسم للحروف بهاءها، بينما استقبلت المكتبة عشاق القراءة في مشهدٍ يجسد أهمية الثقافة بوصفها ركيزةً لحفظ الهوية وبناء الوعي.
وفي ذلك الفضاء الثقافي، بدا الدكتور حسن الأمير أكثر قربًا من المكان الذي ارتبط به طويلًا، وكأن بينه وبين الثقافة عهدًا لا تنقضه السنوات، ولا تقطعه مسافات الغياب.
ولم يكن الحاضرون يستمعون إلى حديث شخصيةٍ ثقافية فحسب، بل كانوا ينصتون إلى تجربةٍ ثرية، اختزلت عقودًا من العطاء في الأدب والتعليم والعمل الثقافي والتطوعي، لتؤكد أن المثقف الحقيقي هو من يبني الإنسان قبل أن يكتب النص، ويصنع الأثر قبل أن يبحث عن التصفيق.
ومع اقتراب ختام الأمسية، كانت جازان أكثر هدوءًا، وقد امتزجت رائحة المطر بعبق القهوة، بينما بقيت الحكايات معلقةً في فضاء المكان، وكأنها ترفض أن تنتهي.
انفضّ المجلس، غير أن أثره ظل حاضرًا في النفوس، ليؤكد أن أجمل اللقاءات ليست تلك التي تُقاس بطول ساعاتها، وإنما بما تتركه من دفءٍ في القلوب، وما تصنعه من ذكرياتٍ لا تغيب.
وهكذا أثبتت تلك الليلة أن الثقافة ليست قاعاتٍ ورفوفًا وكتبًا فحسب، بل رجالٌ يحملون نورها في قلوبهم، فإذا حضروا أضاء المكان، وإذا تحدثوا ازدهرت الذاكرة، وإذا التقوا بأحبّتهم تحولت الأمسية إلى وطنٍ صغير، تسكنه المحبة، ويظلله الوفاء، وتباركه الكلمة الصادقة.

7495-702x1024 حسن الأمير يعيد دفء الثقافة إلى جازان

إرسال التعليق