خلف كل موقفٍ حكاية… فلا تتعجل في الحكم على الناس
المقالات : إبراهيم النعمي
كم مرة أصدرنا أحكامًا على الآخرين اعتمادًا على ما رأيناه بأعيننا، ثم اكتشفنا أن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؟ فالحياة مليئة بظروفٍ خفية لا يعلمها إلا أصحابها، والتأني وحسن الظن والصبر من أسمى الأخلاق التي ترتقي بالإنسان، وتجنبه الندم على كلمة أو تصرف صدر في لحظة غضب أو استعجال،
الصبر وضبط النفس عند الغضب من أعظم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، فكم من موقفٍ نظنه واضحًا، ثم نكتشف أن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، فنندم على تسرعنا في الحكم أو التصرف.
كنت أقود سيارتي متجهًا إلى زيارة أحد أقاربي في حيٍّ بعيد عن منزلي، وأثناء سيري في أحد الشوارع فوجئت بسيارة تقف في عرض الطريق، بحيث تعذر عليّ المرور.
ولأنني سبق أن صادفت بعض قائدي السيارات الذين يوقفون مركباتهم في وسط الطريق دون مراعاة للآخرين، ظننت أن هذه السيارة لا تختلف عن تلك المواقف التي اعتدت رؤيتها، فأخذت أضغط على منبه السيارة مراتٍ متكررة، منتظرًا أن يتحرك صاحبها.
وبعد نحو ثلاث دقائق، فُتح باب أحد المنازل، وخرجت امرأة تدفع كرسيًا متحركًا تجلس عليه امرأة أخرى مقعدة، واتجهت بها نحو السيارة المتوقفة لتساعدها على الصعود إليها.
في تلك اللحظة، تبدلت نظرتي للموقف كله. شعرت بخجل شديد من نفسي، ولم أستطع منع دموعي من الانهمار. أدركت أنني تسرعت في حكمي، وأن الحقيقة كانت أبعد مما تصورت.
عدت بسيارتي إلى الخلف مسافة تقارب مئتي متر، وانصرفت وأنا أراجع نفسي، وأقول: لو أنني تحليت بالصبر قليلًا، وأحسنت الظن، لما أزعجت تلك الأسرة بمنبه السيارة، ولما حملت هذا الشعور العميق بالندم.
لقد تعلمت من هذا الموقف درسًا لن أنساه ما حييت؛ وهو أن نتأنى قبل أن نحكم على الناس، وأن نلتمس لهم الأعذار، فلكل إنسان ظروفه التي لا يعلمها إلا الله.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
وقد قيل: “امشِ برفق في حياة الآخرين، فليست كل الجروح مرئية دائمًا.”
ما أحوجنا اليوم إلى الصبر، وإحسان الظن، وضبط النفس، فليس كل تأخير إهمالًا، وليس كل تصرف إساءة، وليس كل موقف نراه بأعيننا يعكس الحقيقة كاملة. فلنمنح الآخرين مساحةً من العذر، ولنتمهل قبل إصدار الأحكام، فربما كانت خلف كل موقف قصة مؤلمة لا يعلمها إلا الله، ومن تحلى بالصبر والرحمة عاش مطمئن القلب، وكان أقرب إلى أخلاق الإسلام السمحة.
بقلم الإعلامي والكاتب : ابراهيم حسن النعمي

إرسال التعليق