الأمثال الشعبية.. تجارب الأجداد.. دروس للأحفاد
المقالات : علي المحنشي
الأمثال الشعبية ليست مجرد كلمات تتردد على الألسنة، بل هي خلاصة سنين، وعصارة عقول، وذاكرة شعوب اختزلت مواقف الحياة في عبارات قصيرة، لكنها عميقة الدلالة. فالمثل يولد من موقف، ويعيش عبر الأجيال، حتى يصبح مرجعًا في الفهم، ومقياسًا في الحكم، ولغةً مشتركة بين الناس.
ولذلك قيل: المثل الشعبي كتاب صغير، لكنه يحوي بداخله حجم مكتبةً من التجارب.
وقد أقرّ لنا الإسلام قيمة الحكمة، في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)
فالحكمة تُقبل مهما كان مصدرها، ما دامت لا تخالف شرع الله، ولا تهدم القيم.
إن المجتمع الذي يحسن توظيف أمثاله الشعبية، يستفيد من تجارب السابقين، ويتجنب كثيرًا من الأخطاء. فكم من مثلٍ دعا إلى الصبر، أو حذّر من التسرع، أو نبّه إلى أهمية الوفاء، أو كشف عواقب الطمع والغرور او حث على التعلم
لكن في المقابل، ليست كل الأمثال صالحة لكل زمانٍ ومكان؛ فبعضها وُلد في بيئات معينة، أو بُني على أعراف لم تعد مناسبة، بل إن بعضها يخالف القيم الإسلامية، أو يرسخ النظرة السلبية، أو ينشر التشاؤم والتعصب. وهنا يكون الواجب أن نزن الأمثال بميزان العقل والشرع، فلا نرددها لمجرد شيوعها.
فالمثل الشعبي لا يصنع المجتمع وحده، لكنه يؤثر في طريقة تفكيره؛ لأن الكلمة إذا تكررت أصبحت قناعة، والقناعة إذا استقرت أصبحت سلوكًا، والسلوك إذا انتشر أصبح ثقافة.
ومن هنا فإن الأمثال الإيجابية تزرع التفاؤل، وتعزز المسؤولية، وتبني الشخصية، بينما الأمثال السلبية قد تبرر الكسل أو تقتل الطموح أو تغذي الاستسلام او تشجع على الظلم.
وقد أحسن الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:
(رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)
وفي هذا دعوةٌ إلى أن يكون العقل حاضرًا، وألا تُسلَّم عقلك لكل ما يُقال، ولو كان مثلًا مشهورًا.
وقال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله… وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
فالعاقل لا يكتفي بترديد الموروث، بل يتأمل معناه، ويأخذ منه ما ينفع، ويترك ما يضر.
إن الأمثال الشعبية كنز ثقافي لا يُستهان به إذا أحسنَّا قراءته بعين الحكمة لا بعين التقليد الأعمى . فهي تحمل إرثًا غنيًا بالتجارب، لكنها ليست خالية من الخطأ. فليكن شعارنا: نحترم الموروث، ونحتكم إلى العقل، ونزن كل قولٍ بميزان الشرع والحكمة.
ختامًا…
الأمثال الشعبية هي ضمير المجتمع، وذاكرته الحكيمة، والمرآة التي تعكس نقاء معدنه وصفاء فكره. وهي كنز لا يفنى، وخير لا ينضب؛ فمن أخذ بصحيحها سلم، ومن استرشد بمعناها الحقيقي اهتدى، ومن حفظها حفظ تراث أمته، ومن أحياها بما يوافق دينه وعقله أدى واجبه تجاه ماضي اجداده ومستقبل ابنائه.
فليس كل مثلٍ حكمة، ولكن كل حكمة تستحق أن تكون مثلًا.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي

تعليق واحد