صَدَى الخُلُودِ في رُكَامِ الذَّاكِرَة
المقالات : أحمد هبة
في حضرةِ الزمنِ العاتي، حيثُ تذوي السنونَ كأوراقِ خريفٍ لاهثٍ خلفَ غيابِ الشمس، يقفُ المرءُ مأخوذاً بتصاريفِ الوجود، مُتأملاً في هذا المدى الفسيحِ بحثاً عن بقعةِ ضوءٍ في ركامِ الذاكرة، مدركاً أننا لسنا في جوهرِ الأمرِ سوى أطيافٍ عابرةٍ في ممرٍّ مُظلم، نُحاولُ بجهدِ المضطرِّ أن نخطَّ على جدرانِ العدمِ شيئاً من كينونتنا، لعلَّ ريحَ الخلودِ تُشفقُ على أثرنا فلا تمحوهُ في عجلةِ انصرافنا، فالحياةُ يا صديقي ليست إلا معزوفةً من التناقضاتِ الصارخة، دارٌ نولدُ فيها لنحترقَ بأشواقنا، ونعشقَ لننكسرَ على أعتابِ أقدارنا، ونبنيَ القصورَ لنرحلَ عنها غرباءَ كما جئنا، بيدَ أنَّ سرَّ العظمةِ المكنونِ في ذواتنا لا يظهرُ إلا في لحظةِ الاستعلاءِ على هذا الانكسارِ الوجودي، في أن تظلَّ شجرةً وارفةَ الظلالِ يمتدُّ جذعُها في عمقِ الأرضِ وثباتِها رغمَ هديرِ الفؤوس، وأن تبقى ينبوعاً عذباً يرفضُ التكدّرَ برغمِ غبارِ الجحودِ الذي يذروه المارّةُ في وجهِ صفائِك، فهنا يتجلى الأدبُ بوصفهِ الملاذَ الأخيرَ للروحِ حين يخذلها اللسان، مِدادٌ لا يغمسُ ريشتَهُ إلا في لُججِ التجربةِ القاسيةِ ليصيغَ من نزيفِ الآلامِ قصائدَ مواساة، ومن ركامِ الهزائمِ ملاحمَ للصمودِ والارتقاء، فالحقُّ أنَّ الكلمةَ التي تخرجُ من صميمِ الصدقِ لا يدركها الفناءُ بموتِ قائلها، بل تظلُّ تترددُ في أروقةِ التاريخِ كصدىً أبديٍّ يرفضُ الانصياعَ للصمت، ولذلكَ فليكن ديدنُكَ في هذه الرحلةِ الوعرةِ أن تكونَ حكيمَ نفسِكَ، لا تغرنَّكَ زينةُ الإقبالِ فتطغى، ولا يكسرنَّكَ قسوةُ الإدبارِ فتذبل، بل كن كالغيمِ السامي، يغمرُ الأرضَ بجودِهِ دونَ أن ينتظرَ مديحاً، ويمضي مُترفعاً عن الثرى الذي يضمُّ أثرهُ، تائقاً دوماً إلى سماءِ الخلودِ، حيثُ تتلاشى قيودُ الطينِ وتتحررُ أجنحةُ الروحِ من ثقلِ العدمِ، لتدرك أخيراً أنَّ أثمنَ ما تتركهُ خلفكَ ليس ما جمعتهُ يداك، بل تلكَ البصمةُ المضيئةُ التي زرعتها في قلوبٍ ستحملُ اسمكَ ودعواتك إلى حيثُ لا شقاءَ يطالُ الوجودَ ولا زوالَ يعتري السكينة.
بقلم المستشار : أحمد بن هبة علي هادي

إرسال التعليق