بين نعمة الستر… وحُمّى النشر
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا شاهدةً على كل لحظة، لم يعد بعض الناس يعيشون حياتهم لأنفسهم، بل باتوا يعيشونها لأجل النشر والتصفيق والمتابعة؛ حتى صار المجتمع يعرف أدق تفاصيل البيوت: متى خرجوا، وأين ذهبوا، وماذا أكلوا، وما الذي أُهدي لهم، وكيف طُبخ الطعام، وما نوع السيارة، بل وحتى تفاصيل اللباس والزينة والمقتنيات.
والمؤلم أن كثيرًا من هذا النشر لا يصنع قيمة، ولا يبني وعيًا، بل يوقظ في قلوب البعض حسرةً لا يشعر بها الناشر. فكم من فقيرٍ يرى ما يُعرض أمامه وهو لا يجد قوت يومه، وكم من مديونٍ يتألم بصمت، وكم من محتاجٍ يخفي دموعه خلف شاشة هاتفه.
لقد علّمنا الدين أن النعمة تُصان بالشكر والستر، لا بالمباهاة والاستعراض؛ قال الله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، وقد بيّن العلماء أن التحدث بالنعم يكون شكرًا لله، لا كسرًا لقلوب الناس، ولا بابًا للرياء والتفاخر. وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) . وفي الحديث الشريف قال ﷺ: (مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيه) .
فليس كل ما نعيشه يحتاج أن يُنشر، وليس كل نعمةٍ يجب أن تُعرض على الناس. وقد قيل قديماً بحكمةٍ عميقة: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كلَّ ذي نعمةٍ محسود”. فبعض الناس يفتح على نفسه أبواب الحسد، ويستدعي أعين المقارنة، ثم يتعجب من ضيق الحياة وكثرة المتاعب!
ولله درّ الشاعر حين قال:
إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَومًا فَلا تَقُل ** خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ
فالمؤمن الواعي لا يجعل حياته معرضًا عامًا، ولا يحوّل خصوصيته إلى مادةٍ للاستهلاك اليومي؛ فالستر جمال، والاتزان حكمة، ومراعاة مشاعر الناس خلقٌ عظيم لا يملكه إلا أصحاب القلوب النبيلة.
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان حزينًا أو يخفي نعم الله، ولكن المطلوب أن يزن ما ينشر بميزان الحكمة: هل فيما أنشر فائدة؟ هل يراعي مشاعر الآخرين؟ هل يليق أن يعرف الناس كل تفاصيل حياتي؟ فليس كل ما يُرى يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يُحمد أثره.
ختاماً… تبقى أجمل النِّعم تلك التي تُرى آثارها في الأخلاق لا في الصور، وفي القناعة لا في الاستعراض. فالحياة ليست مسابقةً لإبهار الناس، بل رحلةٌ لتهذيب النفس وحفظ القلوب من الأذى.
فطوبى لمن عاش كريمًا في عطائه، حكيمًا في نشره، جميلًا في ستره؛ فإن بعض الخصوصية هيبة، وبعض الصمت وقار، وبعض الكتمان حمايةٌ للنِّعم والقلوب معًا.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي ادريس المحنشي



إرسال التعليق