كن واعياً..
المقالات : علي ابن إدريس المحنشي
الوعي نورٌ يسكن القلب، وبصيرةٌ تهدي العقل، وسلوكٌ يزكّي الروح. وهو ليس مجرد معرفةٍ تُحفظ، بل حياةٌ تُعاش، وموقفٌ يُجسَّد في كل قولٍ وعمل. فالإنسان الواعي يرى الأمور بميزان الحكمة، ويزن خطواته قبل أن يخطوها، ويدرك أن الحياة مسؤولية قبل أن تكون متعة.
إن الوعي يبدأ من يقظة القلب، حين يستشعر العبد رقابة الله في سره وعلنه، فيرتقي سلوكه وتسمو أخلاقه. وقد دعا القرآن الكريم إلى هذا الوعي العظيم بقوله تعالى:
(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) الإسراء:
فهذه الآية ترسّخ في النفس وعي المسؤولية عن الفكر والقول والعمل، وأن الإنسان محاسب على كل ما يصدر منه.
والوعي الحقيقي يقود صاحبه إلى محاسبة النفس وإصلاحها، كما قال النبي ﷺ:
(الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ مَن أتبع نفسَه هواها وتمنى على الله الأماني) .
فالمؤمن الواعي لا ينقاد لهواه، بل يقود نفسه نحو الخير، ويجعل من كل تجربة درساً، ومن كل موقف عبرة.
والوعي كذلك هو إدراك قيمة الزمن، وحسن التعامل مع الناس، واختيار الكلمة الطيبة التي تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق. قال بعض الحكماء:
(وعي الإنسان بنفسه أول طريق حكمته، ووعيه بغيره أساس إنسانيته.)
فمن وعى حقيقة الدنيا علم أنها دار ممرّ لا مقر، وأن القيم والأخلاق هي الباقية، وأن الإنسان يُقاس بوعيه قبل علمه، وبأثره قبل قوله.
وقد عبّر الشعراء عن هذا المعنى بقولهم:
(إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا
صديقَك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه
مقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبه)
ففي هذه الأبيات دعوة إلى وعي طبيعة البشر، والتسامح مع أخطائهم، والنظر إليهم بعين الحكمة لا بعين الكمال.
إن الوعي ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة حياتية، به تُحفظ القلوب من الانحراف، والعقول من الضلال، والمجتمعات من التفكك. وهو سبيل الإنسان نحو التوازن النفسي، والسمو الروحي، والإصلاح المجتمعي.
كن واعياً في كلماتك قبل أن تنطق، وفي أفعالك قبل أن تُقدِم، وفي علاقاتك قبل أن تحكم. واجعل من وعيك جسراً إلى رضوان الله، ونوراً يضيء دربك، وأثراً طيباً يبقى بعد رحيلك.
فالوعي حياةٌ للقلوب، ونورٌ للعقول، ومن عاش واعياً عاش كريماً، ورحل مكرّماً.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي ابن ادريس المحنشي


إرسال التعليق