السلوك بين التوجيه الرباني والحكمة الإنسانية
المقالات : علي ابن إدريس المحنشي
يُعدّ تعديل السلوك من أهمّ القضايا التربوية التي يحتاجها الفرد والمجتمع فهو عملية واعية تهدف إلى تغيير العادات غير المرغوبة وتنمية السلوكيات الإيجابية التي ترتقي بالإنسان في أخلاقه وتعاملاته. وقد أولى الإسلام هذا الجانب اهتماماً بالغاً. فجمع بين التوجيه الروحي. والضبط الأخلاقي. والتربية العملية.
مفهوم تعديل السلوك
تعديل السلوك هو عملية تربوية تهدف إلى إحداث تغيير إيجابي في تصرفات الفرد من خلال تعزيز السلوك الحسن، وتقويم السلوك السيئ، باستخدام أساليب علمية وتربوية متوازنة.
ويقوم هذا المفهوم على مبدأين:
الوعي: وهو إدراك الفرد لسلوكه وآثاره.
الإرادة: وهي القدرة على اتخاذ قرار التغيير والاستمرار فيه.
تعديل السلوك في ضوء القرآن الكريم
جاء القرآن الكريم بمنهج شامل لتقويم النفس، ومن ذلك:
الدعوة إلى تهذيب النفس
قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)
في هذه الآية تأكيد أن فلاح الإنسان مرتبط بتزكية نفسه، وهي جوهر تعديل السلوك.
مبدأ التدرّج في التغيير
قال تعالى:
(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ)
فالقرآن يوجّه إلى استبدال السيئة بالحسنة، لا مجرد ترك السلوك الخاطئ على ماهو عليه.
تعزيز السلوك الإيجابي
قال تعالى:
(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)
وهي دعوة واضحة إلى أن كل سلوك حسن له أثر مهما بدا صغيرًا.
تعديل السلوك في السنة النبوية
النبي ﷺ قدّم نموذجًا عمليًا في التربية السلوكية:
القدوة الحسنة
قال ﷺ:
(إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)
جعل الأخلاق محور رسالته، وهو أعلى درجات تعديل السلوك.
استخدام التعزيز الإيجابي
كان ﷺ يثني على أصحابه ويشجعهم، فقال لأشجّ عبد القيس:
(إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)
وهذا من أرقى أساليب تعزيز السلوك.
الرفق في التغيير
قال ﷺ:
“ما كان الرفق في شيء إلا زانه”
فالرفق أساس نجاح أي عملية تعديل سلوكي.
أساليب عملية لتعديل السلوك
1.التعزيز الإيجابي
مثل الثناء، المكافأة، أو إظهار التقدير.
2.تَلَهَّى
وهو تجاهل السلوك غير المرغوب حتى يختفي تدريجيًا.
3.العقاب التربوي
بضوابطه الشرعية والتربوية، دون عنف أو إهانة.
4.القدوة
الإنسان يتعلم بالمشاهدة أكثر من التلقين.
5.تحديد الأهداف
وضع أهداف صغيرة قابلة للقياس يساعد على الاستمرار.
خامسًا: الشعرله دور فب تعديل السلوك
الشعر العربي زاخر بالحكمة التي تدعو إلى تهذيب النفس، ومن أجمل ما قيل:
إذا المرءُ لم يَدْنَسْ من اللؤمِ عِرضَهُ
فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ
وفي الحث على مجاهدة النفس:
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شبَّ على
حبِّ الرضاعِ وإن تفطمهُ ينفطمِ
وفي الصبر على التغيير:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهمُ
الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتّالُ
هذه الأبيات تلخص فلسفة التغيير: صبر، ومجاهدة، وثبات.
ختاماً
تعديل السلوك ليس مهمة عابرة، بل رحلة مستمرة نحو الأفضل. يجمع بين التوجيه الرباني، والجهد الإنساني، والإرادة الصادقة. وكلما ازداد وعي الإنسان بذاته، وحرص على تهذيب أخلاقه، اقترب من المعنى الحقيقي للإنسانية التي أرادها الله له.
بقلم الكاتب والإعلامي : علي أبن أدريس المحنشي


إرسال التعليق