×

حين تقود الرغبة… يضيع الإنسان


المقالات : علي بن إدريس المحنشي


في زمنٍ تعالت فيه شعارات من قبيل: «افعل ما تشاء وعِش اللحظة»، التبس على كثيرين الفرق بين الحرية والفوضى، وبين إشباع الرغبات وتحقيق الذات. غير أن التجربة الإنسانية – قبل النصوص الشرعية – تؤكد أن من جعل رغباته بوصلته الأولى، انتهى به المطاف إلى ضياع الوقت، ثم ضياع النفس.
فالحياة لم تُخلق لتكون استجابةً عابرة لكل شهوة، بل هي مسؤولية قائمة على التوازن بين ما نريده وما ينبغي علينا فعله. وقد حذّر القرآن الكريم من خطورة الانقياد الأعمى للهوى، فقال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية]في تصوير بليغ لحال من جعل رغباته المرجع الأعلى، حتى غدت الآمر والناهي في تفاصيل حياته.
ولا يقف أثر هذا الانقياد عند حدود السلوك فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى استنزاف أثمن ما يملكه الإنسان: الوقت. فالزمن هو وعاء الإنجاز، وإذا لم يُستثمر بوعي، تسرّب من بين الأصابع بلا رجعة. ولهذا أقسم الله بالعصر تنبيهًا لعظم شأنه، فقال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر].
وفي السياق ذاته، نبّه النبي ﷺ إلى خسارة يغفل عنها كثيرون بقوله:
«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رواه البخاري).
فالفراغ حين لا يُضبط بالهدف، يتحول سريعًا إلى مساحة تتحكم فيها الرغبات، وتُدار فيها الحياة بلا بوصلة.
والإسلام لا يدعو إلى قمع الرغبات ولا إلى إلغائها، بل إلى تهذيبها وتوجيهها في إطار يحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته. فالعاقل – كما وصفه النبي ﷺ – هو من يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، ويستثمر عمره فيما هو أبقى، إذ قال ﷺ:
«الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ» (رواه الترمذي).
إن الحرية الحقيقية لا تعني أن نفعل كل ما نرغب، بل أن نملك القدرة على ضبط رغباتنا، وتوجيه أوقاتنا نحو ما يصنع أثرًا ومعنى. فالرغبات العابرة تزول، أما العمر إذا ضاع… فلا يُستعاد.
ختامًا:
من عاش أسيرًا لرغباته خسر وقته، ومن خسر وقته خسر نفسه، ومن خسر نفسه تاه في مستنقعات اللذة، بعيدًا عن المعنى والغاية.

بقلم : علي أبن ادريس المحنشي

إرسال التعليق