حين نُسلِّم قراراتنا للآخرين
علي بن إدريس المحنشي
في زمنٍ اتّسعت فيه دوائر الاستشارة، وتعدّدت فيه الأصوات، أصبح بعض الناس لا يخطو خطوة، ولا يحسم أمرًا، ولا يواجه مشكلة؛ إلا بعد أن يرفع هاتفه، أو يفتح نافذة تواصل، ليُلقي بأثقاله كلّها على مستشارٍ هنا أو هناك. يروي له أسراره، صغيرها وكبيرها، ثم يضع رأسه على الوسادة وينام قرير العين، وقد سلّم عقله وقراره لغيره.
ولا خلاف في أن الاستشارة مبدأٌ شرعي، وحكمةٌ عقلية، فقد قال الله تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ آل عمران
وقال جلّ جلاله:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى.
لكن الإشكال لا يكمن في الاستشارة، بل في تحويلها إلى اعتمادٍ كُلّي يُعطِّل التفكير، ويُصادر الإرادة، ويُفرِّغ الإنسان من مسؤوليته في الفهم والتقدير والاختيار.
لقد كرّم الله الإنسان بالعقل، وجعله مناط التكليف، وكرّر في كتابه الدعوة إلى التفكّر والتدبّر:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾،
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾،
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
ولو كان المطلوب أن يُفكِّر الناس عن الناس، لما كان للعقل هذا المقام الرفيع.
وقال النبي ﷺ:
«الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ».
رواه الترمذي.
والكَيِّس هو العاقل الفَطِن، الذي يُحاسب نفسه، لا الذي يُلقي بها على عقول الآخرين.
إن الإكثار من كشف الأسرار لكلّ من حمل لقب «مستشار» خطرٌ مزدوج:
خطرٌ على الخصوصية، وقد قال ﷺ:
«استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».
وخطرٌ على الشخصية، حين يعتاد الإنسان الهروب من التفكير، والفرار من تحمّل تبعات قراره.
ومن لا يُحسن التفكير في شؤونه، ولا يزن أموره بعقله، تُنتزع منه قيمته دون أن يشعر.
إننا اليوم أمام خطرٍ تربوي وفكري حقيقي:
جيلٌ يستشير في كلّ شيء، ولا يُفكِّر في شيء.
جيلٌ ينتظر الرأي الجاهز، والحلّ السريع، والتوجيه المعلّب؛ فإذا غاب المستشار تاه، وإذا اختلفت الآراء اضطرب؛ لأنه لم يتدرّب يومًا على اتخاذ القرار.
والحكمة تقول:
(من جعل عقله لغيره، عاش تابعًا، وإن كثر حوله الناصحون).
ويُقال أيضًا:
(الاستشارة تُنير الطريق، لكنها لا تمشي بك).
فالواجب أن نُعيد التوازن:
نستشير… نعم.
نستأنس بآراء الحكماء… نعم.
لكن نفكّر بأنفسنا، ونزن الأمور بعقولنا، ونتحمّل نتائج قراراتنا.
فالاستشارة عونٌ، لا بديل.
والعقل أمانةٌ، لا يُسلَّم.
ومن نام قرير العين لأن غيره فكّر عنه، سيصحو يومًا ليجد إرادته قد سُرقت، وهو لا يدري…
بقلم : علي ابن ادريس المحنشي


تعليق واحد