×

حين تغنّي الأرض… الحراثة التقليدية في فيفاء

فيفاء : أصداء المناطق

في أعالي جبال فيفاء، حيث تتكئ المدرّجات الزراعية على خاصرة السحاب، ويمتزج العرق بندى الصباح، تبدأ حكاية من أصدق حكايات التراث الجنوبي: حكاية الحراثة التقليدية. ليست مجرد فلاحة للأرض، بل طقس جماعي، ومشهد اجتماعي، ومسرح شعبي تُرفع فيه الأهازيج كما تُرفع المعاول، وتُزرع فيه القيم قبل أن تُزرع الحبوب.

العَوْن… حين يصبح العمل عيداً

كان أهل فيفاء – في مواسم الحرث والبذر – يضربون موعداً مع “العَوْن”، وهو تقليد اجتماعي نبيل تتكاتف فيه الأيدي، فيجتمع الجيران والأقارب لحراثة أرض أحدهم في يوم، ثم ينتقلون لأرض الآخر في اليوم التالي. لا أجر يُطلب، ولا مقابل يُنتظر؛ فالمكافأة هي حفظ الودّ، وتقوية الروابط، وضمان أن لا تُترك أرض بلا زرع ولا جار بلا سند.

النَّشِيرة… النداء الذي يسبق العصر وىكون آخر النهار

بعد الغداء ، تُطلق “النشيرة” – وهي نداء جماعي خاص – لإعلان عشية للحراثة. فيلبّي الرجال النداء، حاملين أدواتهم التقليدية، وعلى وجوههم ملامح الجدية، وفي صدورهم روح الجماعة. كانت النشيرة أشبه بإعلان شعبي للفرح القادم، وبوابة يدخل منها اليوم الزراعي إلى القرية.

أهازيج تحرث القلوب قبل الأرض

لم يكن العمل صامتاً؛ فالأهازيج كانت وقود العزيمة. تتعالى الأصوات بإيقاع موحّد، يخفف عناء الجسد، ويشحذ الهمة، ويحوّل ساعات التعب إلى مهرجان إنساني صغير. لكل خطوة لحن، ولكل ضربة معول نبرة، حتى تشعر أن الجبل نفسه يردّد معهم.

ومن أشهر مضامين تلك الأهازيج:
• الدعاء للزرع بالبركة،
• التغنّي بروح الجماعة،
• التحفيز على الصبر والمثابرة،
• وتمجيد الأرض بوصفها “الأم” التي لا تخذل أبناءها.

أدوات بسيطة… ونتائج عظيمة

كانت الأدوات بدائية في شكلها، عظيمة في أثرها: معاول يدوية، ومحاريث خشبية، وحبال لجرّها، وكلها تُدار بقوة الساعد وحكمة التجربة. ومع ذلك، كانت الحقول تثمر، والمدرجات تمتلئ، والمواسم تأتي بخيرها الوفير.

تراث يروي هوية

ليست الحراثة التقليدية في فيفاء مجرد أسلوب زراعي مضى، بل هي ذاكرة هوية، ومشهد من ملامح الشخصية الجبلية الأصيلة: التعاون، والكرم، والصبر، والإيمان بأن الأرض تُعطي من يعطيها.

اليوم، وبينما تتسارع الآلات الحديثة، تبقى تلك الصور حيّة في وجدان كبار السن، وتستحق أن تُوثّق، وتُدرّس، وتُعاد إحياؤها في المهرجانات التراثية، لتظل فيفاء كما كانت: أرضاً تُغنّي، وناساً يزرعون القمح… ويزرعون المحبة معه .

إرسال التعليق