لَوْ كُنْتَ أَقَلَّ عَمَلًا… فَكُنْ أَعْظَمَ أَمَلاً
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
في زحام الحياة تتداخل المفاهيم، فيُخطئ بعض الناس ميزان النجاح؛ فيظنون أن كثرة الجهد وحدها تصنع الإنجاز، أو أن الأمل وحده يغني عن السعي. غير أن الميزان الرباني أدقّ وأعدل:
عملٌ بقدر الاستطاعة، وأملٌ لا ينقطع عن الله.
فأن تكون أقلَّ الناس عملًا لا يعني الكسل ولا التواكل، بل يعني أن تعمل بوعي وحكمة، وأن لا تُرهق نفسك بما لم تُكلَّف به، وأن تضع الجهد في موضعه الصحيح، ثم تترك النتائج لمن بيده الأمر كله. قال تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
وأما أن تكون أكثرهم أملًا، فهو أن يبقى قلبك معلّقًا بالرجاء، مؤمنًا بأن أبواب الله لا تُغلق، وأن العطاء قد يأتي من حيث لا تحتسب. قال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
لقد ربّى الإسلام النفوس على العمل دون تعلّق، وعلى الأمل دون غرور. فالعبد يعمل، لكنه لا يظن أن العمل هو المنقذ وحده، بل يراه سببًا، والسبب لا يُثمر إلا بإذن الله. قال رسول الله ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.
وفي المقابل، حذّرنا النبي ﷺ من انطفاء الأمل مهما اشتدت الخطوب، فقال ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير» رواه مسلم.
فالمؤمن قد يقلّ عمله أحيانًا لعذر أو ضعف، لكنه لا يقلّ أمله أبدًا؛ لأن الأمل عبادة قلبية لا تحتاج إلى قوة جسد، بل إلى صدق يقين.
وقال ﷺ في الحديث القدسي:
«قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» رواه البخاري ومسلم.
فحسن الظن بالله، وكثرة الرجاء، تفتح للعبد من أبواب الفرج ما تعجز عنه كثرة الأعمال الخالية من الإخلاص.
الخلاصة:
اعمل بقدر ما تستطيع، ولا تُحمّل نفسك فوق طاقتها، واجعل قلبك ممتلئًا بالأمل؛ فعملٌ قليلٌ مع أملٍ عظيم، أوثق عند الله من عملٍ كثيرٍ بلا رجاء. فالأمل حياة القلوب، والعمل زاد الطريق، وبينهما يسير المؤمن مطمئنًا، عالمًا أن الله لا يضيّع من أحسن به الظن.
بقلم : علي ابن ادريس المحنشي


إرسال التعليق