بين غدر الجبان… وانتقام الشجاع
المقالات : مسعود الفيفي
قراءة تحليلية في تحولات المشهد الإقليمي جنوب الجزيرة العربية
هذا المقال قراءة تحليلية تستند إلى مؤشرات سياسية وإعلامية مفتوحة المصدر، ولا يدّعي الجزم، بل يسعى إلى تفكيك الاتجاهات العامة في حركة الإقليم.
في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس التحركات بما يُقال عنها، بل بما تُعيد تشكيله من موازين. ولا تُقرأ القرارات بما تُعلنه من شعارات، بل بما تُعيد رسمه من خطوط تماس، وما ترفعه من أسقف سيادية. وما يدور اليوم على الأطراف الجنوبية للجزيرة العربية لم يعد مجرّد “إدارة أزمة”، بل – وفق قراءات عديدة – بات أقرب إلى عملية إعادة ضبط للمنظومة الإقليمية الفرعية، وإعادة تعريف هادئة لمراكز الثقل داخل المشهد العربي.
منذ انطلاق منظومات التعاون الدفاعي الإقليمي المشترك، كان الهدف المُعلن تحصين العمق العربي، وتأمين الخاصرة، ومنع تسلل المشاريع العابرة للحدود إلى قلب المعادلة. غير أن مسارات التنفيذ – كما تشير تقارير وتحليلات متعددة – كشفت لاحقًا عن تباينات غير معلنة في تعريف “الأولويات”، بين من حافظ على تعريف موحّد لمصادر التهديد، ومن أعاد قراءة “الفرص” من زوايا مختلفة.
هنا، بدأ التحوّل من منطق التحالف الصِرف إلى منطق إعادة التموضع. لم يعد الاشتباك – في بعض المسارات – موجَّهًا حصريًا نحو مركز الخطر، بل اتجه جزء من الجهد إلى إعادة ترتيب الداخل، وبناء أدوات نفوذ وظيفية، بما يُنتج واقعًا جديدًا لا يتطابق دائمًا مع الفكرة الأصلية للتحالف، وإن ظل ضمن إطاره السياسي العام .
هذا التحول – في جوهره – لم يكن اختلافًا في الأسلوب بقدر ما هو إعادة هندسة للوظيفة :
من مشروع حماية إقليمية إلى مقاربات تموضع متباينة ،
ومن جبهة ردع موحّدة إلى ساحات إدارة مصالح .
البعد غير المُعلن: قراءة في خرائط الموانئ والممرات
في الطبقة الأعمق من المشهد، تظهر خرائط لا تُرسم على البيانات السياسية وحدها، بل على الموانئ، والممرات البحرية، ونقاط السيطرة التجارية. وتشير قراءات تحليلية إلى مسارات استراتيجية صاعدة تعمل – بصورة تدريجية – على إعادة توزيع الثقل البحري في البحر الأحمر وبواباته الجنوبية، بدءًا من القرن الإفريقي، مرورًا بعقد الموانئ، وصولًا إلى سواحل جنوب الجزيرة العربية.
هذه المقاربات لا تستهدف الدول بقدر ما تُعيد تعريف وظيفة الجغرافيا نفسها : أي تحويل بعض السواحل من عمق داعم إلى مجال ضغط ، ومن نقاط حماية إلى نقاط تفاوض استراتيجي .
وبمعنى أدق: ليست المسألة تفكيك دول ، بل إعادة برمجة للجغرافيا السياسية بما يخدم حسابات نفوذ طويلة المدى .
إعادة التموضع: من إدارة الصبر إلى هندسة التوازن
في مواجهة هذه التحولات المركّبة، تشير المؤشرات إلى أن المركز الإقليمي الأكثر ثباتًا انتقل إلى مرحلة مختلفة :
• امتصاص الصدمة وإعادة قراءة الخريطة .
• إعادة ضبط تعريف الشراكات الوظيفية .
• البدء بعمليات تصحيح هادئة تُعيد ترميم وحدة القرار السيادي .
وما يجري اليوم – في جوهره – لا يبدو تصعيدًا بقدر ما هو إعادة معايرة .
ولا رد فعل، بل تصحيح وظيفة.
ولا استهداف أطراف، بل تثبيت للخطوط السيادية الحمراء.
مخرجات المرحلة القادمة (قراءة استشرافية)
1. غربلة المنظومة الإقليمية الفرعية
إنهاء الأدوار المزدوجة، وتوحيد الوظيفة داخل أي إطار مشترك.
2. تعزيز مركزية القرار في المناطق المستقرة
عبر تفكيك نماذج الإدارة الموازية وإعادة ضبط الأمن والسياسة تحت مظلة واحدة.
3. تحجيم الكيانات الوظيفية المؤقتة
من خلال الدمج المؤسسي أو إعادة الهيكلة المرحلية.
4. إعادة توجيه البوصلة نحو مركز التهديد الحقيقي
بعد تنظيف الخاصرة، تبدأ المعركة الواضحة لا الملتبسة.
الخلاصة الاستراتيجية
المشهد – وفق هذه القراءة – لا يتجه نحو تعدد مراكز القرار، بل نحو إعادة تثبيت المركز.
ولا يسير نحو فوضى المشاريع، بل نحو توحيد الوظيفة.
ولا ينتصر فيه الأكثر ضجيجًا، بل الأكثر ثباتًا على تعريف الخطر.
وهنا فقط يُفهم الفرق بين:
إعادة تموضع تُدار من الخلف…
وإعادة تعريف تُحسم من الأمام .
ومن هنا يتضح معنى :
بين غدر الجبان… وانتقام الشجاع .
بقلم : مسعود جابر جبران الحكمي الفيفي
رئيس مجلس إدارة صحيفة أصداء المناطق الإلكترونية


2 comments