حارس الحساب الزراعي في فيفاء
المقالات : يحيى بن جابر الفيفي
ورد في الحديث الشريف: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، وقد بيّن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- صحة هذا الحديث. ومن هذا المنطلق، رأيت أن من الوفاء أن أتحدث عن جهد يستحق الشكر والتقدير، في حفظ علم ارتبط بحياة الآباء والأجداد في فيفاء، وكاد أن يتوارى مع مرور الزمن.
وأضع هذه الإضاءة في نقاط مختصرة وواضحة:
- ذكريات البدايات مع الزراعة:
ولدت وعشت في فيفاء أكثر من تسعة عشر عامًا في بداية حياتي، ولحقت بعدد من المزارعين الذين كانت لهم معرفة واسعة بالزراعة وحساباتها ومواسمها، ومنهم خالي أحمد بن يزيد الحكمي الفيفي -رحمه الله-، الذي كان من المهتمين بالحساب الزراعي، بل ومن البارعين فيه في منطقتنا. إلا أن المرض أدركه في آخر حياته، ثم توفي قبل أن يُنقل عنه هذا العلم الضروري للمزارعين وغيرهم، ومثله كثير من المتخصصين في علوم الزراعة في فيفاء. - كتاب أعاد الاهتمام بعلم يكاد يندثر:
عندما قرأت كتاب الأخ حسن بن جابر الحكمي، ووجدت فيه إشارة إلى الجهود التي بذلها الأستاذ علي بن جبران بن مفرح المدري الفيفي في مجال الحساب الزراعي والفلكي في فيفاء، ازداد شغفي بمعرفة ما لديه، فسارعت إلى التواصل معه. - لقاء مع رجل متمكن من هذا العلم:
بعد اتصالي بالأستاذ علي المدري، وجدته بارعًا ومتمكنًا من هذا العلم الذي كاد أن يندثر، وقد بذل جهدًا كبيرًا في البحث عنه وتعلّمه من أصوله، وساعده في ذلك ذكاؤه وشغفه الكبير بهذا الموروث العلمي والمعرفي. - مدرسة الشيخ سلمان المدري:
تتلمذ الأستاذ علي على يد عمه الشيخ الفقيه سلمان بن يزيد بن قاسم المدري الفيفي -رحمه الله-، الذي كان عالمًا بالقرآن والفقه، إلى جانب معرفته بالحساب الزراعي والفلكي. وكان يمارس حراثة الأرض وزراعتها، ويعرف الأيْل الزراعي وأنواع الزراعة ومواسمها، وكان مرجعًا يرجع إليه الناس في كثير من العلوم والمعارف. - الزراعة كانت مصدر القوت:
كانت الزراعة منذ القدم مصدرًا رئيسيًا لقوت أهل فيفاء، وتنوعت المحاصيل التي يزرعها الأهالي بين الحبوب، ومنها الذرة والدخن والغرب والحمري والبر والشعير، إضافة إلى الخضروات وبعض أنواع الفواكه، ولذلك كانت معرفة المواسم والحساب الزراعي ضرورة حياتية وليست مجرد معرفة ثانوية. - تحولات الحياة وأثرها في هذا الموروث:
مع ما شهدته بلادنا من أمن واستقرار وتنمية، وافتتاح المدارس وشق الطرق وانتقال كثير من أبناء الجبل إلى الوظائف الحكومية والتجارة والاستقرار في المدن، تراجع الاعتماد على الزراعة بصورة كبيرة، وكان من نتائج ذلك ضعف انتقال المعارف الزراعية القديمة بين الأجيال. - علم مهدد بالاندثار:
بحسب ما أعلمه، فإنه من النادر اليوم أن تجد بين من هم في سن السبعين فما دون من يعرف الحساب الزراعي في فيفاء على أصوله وتفاصيله كما عرفه ومارسه الأوائل؛ وذلك بسبب تغير نمط الحياة وخروج أعداد كبيرة من أبناء فيفاء واستقرارهم في المدن. - علي المدري يتصدى للمهمة:
أمام هذا الواقع، شمّر الأستاذ علي بن جبران المدري عن ساعديه، وتصدى لحفظ هذا العلم المهم بكل جد واجتهاد واقتدار، مستندًا إلى ما تعلمه من عمه ووالده وكبار السن من العارفين بالحساب الزراعي في فيفاء، وما توارثوه عن الأجيال السابقة. - أكثر من خمسة عشر عامًا من المتابعة:
لم يكتفِ الأستاذ علي بما تلقاه مشافهة، بل تابع المزاول الشمسية القديمة والحديثة، ورصد النجوم ومطالعها لأكثر من خمسة عشر عامًا، وقارن ما تعلمه وتوارثه بالحسابات الفلكية والبرامج الإلكترونية الحديثة، حتى بلغ درجة عالية من الضبط والإتقان، وأصبح بحق أستاذًا في هذا المجال. - علم يبذله للآخرين:
ومن الصفات التي وجدتها فيه تواضعه واستعداده لبذل ما تعلمه لكل من يسأل أو يرغب في تعلم هذا العلم على أصوله، سواء للاستفادة منه في الزراعة أو في غيرها، دون احتكار للمعرفة أو انتظار لمقابل. - تجربة شخصية معه:
لقد تعلمت منه شخصيًا الكثير في هذا المجال دون مقابل، رغم أنني في الوقت الحالي بعيد عن فيفاء. والحقيقة أن من يريد إتقان الحساب الزراعي يحتاج إلى الحضور والمتابعة والمشاهدة والممارسة؛ لأنه علم يرتبط بالطبيعة والأرض والشمس والنجوم وتغير المواسم. - كلمة شكر ووفاء:
إنني أقدم للأستاذ علي بن جبران بن مفرح المدري الفيفي خالص شكري واعتزازي وتقديري على ما بذله ويبذله من جهد متواصل في سبيل حفظ هذا العلم، وعلى تواضعه وحرصه على نقله إلى الآخرين. - دعوة إلى التوثيق والتعليم:
وأدعو الله له بالتوفيق والسداد، وأن يعينه على مواصلة ما بدأه من حفظ هذا الموروث وتوثيقه وتعليمه للأجيال القادمة، حتى لا ينطفئ هذا العلم ولا يندثر مع مرور السنين.
إن الحساب الزراعي في فيفاء ليس مجرد معرفة بمواعيد الزراعة والنجوم والمواسم، بل جزء من ذاكرة المكان وتجربة الإنسان الفيفي مع أرضه عبر أجيال طويلة. وحفظه وتوثيقه اليوم هو حفظ لجزء أصيل من تاريخ فيفاء وتراثها ومعارف أهلها.
والشكر لكل من يحمل هذا الموروث، ويوثقه، ويبذله للأجيال قبل أن تطويه السنون.
بقلم : يحيى بن جابر بن يحيى آل عيدان المشنوي الفيفي
19 ربيع الأول 1448هـ
الموافق 2 سبتمبر 2026م



5 comments