×

أهدِ باقةَ النسيان… لمن أنهكه الزمان

المقالات : علي المحنشي

ليست كل الهدايا تُغلَّف بورقٍ فاخر، ولا كل الباقات تُصنع من الورد؛ فهناك باقاتٌ أعظم أثرًا، وأبقى عطرًا، تُهدى للقلوب قبل الأيدي، وتُزرع في النفوس قبل الحدائق. إنها باقات النسيان؛ ذلك الفن النبيل الذي يجعل الإنسان سببًا في أن ينسى غيره أحزانه، ويخفف عنهم أوجاعهم، ويعيد إلى وجوههم ابتسامةً غابت كثيراً،وإلى قلوبهم نورًا كاد أن ينطفئ..

قد تكون باقة النسيان كلمةً صادقة تداوي قلبًا منكسرًا، أو زيارةً لمريضٍ يشعر أن الجميع قد نسيه، أو اصطحابًا لحزين إلى مكانٍ كان يحبه فانقطع عنه بسبب ما ألمَّ به، أو اتصالًا بمن أثقلته الوحدة، أو ابتسامةً صادقة تُخبره أن الحياة ما زالت جميلة.

ولذلك امرنا الله جل جلاله بصنع الأمل في النفوس، قال الله تعالى:(وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
فالكلمة الطيبة ليست مجرد حروف، بل دواءٌ قد يحيي قلبًا أوشك أن يذبل.

قال ﷺ: (مَن نَفَّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَبِ الدنيا، نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ؛ ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرةِ؛ ومَن سَتَرَ مُسلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ في الدنيا والآخرةِ؛ واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ)

فما أعظمها من أعمال ! تزيد في رصيد المحبة، وقد تكون سببًا في نسيان إنسانٍ لهمٍّ أثقل صدره او حزن كاد أن يفتك به:

إن المجتمع لا يحتاج فقط إلى من يبني المباني، بل إلى من يقف مع من تعصف به رياح الوحدة؛ ولا إلى من يعدّ الأموال، بل إلى من يوزع الآمال، ويزرع الطمأنينة، ويصنع الفرح في القلوب. فكم من شخصٍ غيَّرت حياته جلسةٌ حانية، أو كلمةُ مواساة، أو يدٌ امتدت إليه في وقتٍ ظن أنه وحيد.

(إذا لم تستطع أن تمسح دمعةً، فلا تكن سببًا في نزولها؛ وإذا استطعت أن ترسم ابتسامةً، فلا تؤجلها)

وقال الشاعر:
أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ
فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الْإِنْسَانَ إِحْسَانُ

فلنكن موزعي باقات النسيان؛ نُنسي المتعب تعبه، والمريض وجعه، والحزين حزنه، واليائس يأسه، والمهموم همه، لا بكلام لا يُسنده وفاء،بل بالحضور الجميل، والكلمة الهادفه، والموقف النبيل، والصدق الذي يسبق الكلام.

ختاماً…
الإنسان قد ينسى من صافحه، وقد ينسى من حدثه، لكنه لا ينسى أبدًا من جعله يبتسم بعد بكاء، أو من أعاده إلى الحياة بعد أن كاد يغرق في بحر الأحزان.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي ابن ادريس المحنشي

إرسال التعليق