×

الانتقاد… وقفةٌ للمراجعة، لا دعوةٌ للمقاطعة.

المقالات : علي المحنشي

ليس كل انتقادٍ طعنة. ولا كل ملاحظةٍ تقليلًا من شأنك؛ فكم من كلمةٍ ظنها المرءُ جرحًا، فإذا بها درجات سُلم للإرتقاء. العاقل لا يقف عند مرارة النقد، بل يبحث عمّا وراءه من رسالة، فيحوّل الانتقاد إلى درس، والعتاب إلى هدف والتجربة إلى خبرة تُضيء له الطريق.
وقد أرشدنا القرآن الكريم للمراجعة والتقويم، فقال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)
فالتعاون على البر يشمل النصح والتوجيه والتنبيه على الخطأ، إذا كان بقصد الإصلاح لا بقصد الإهانة.
وقال النبي ﷺ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ رواه مسلم
فالنقد الصادق صورةٌ من صور النصيحة، والنصيحة هديةٌ قد تأتي أحيانًا في ثوبٍ لا نحبه، لكنها تحمل لنا ما نحتاجه..
كيف نحول الانتقاد إلى درس؟
اولاً: افصل بين الكلمة ونبرة قائلها.
فقد يُحسن الناصح المعنى ويُسيء الأسلوب، فلا تجعل سوء الأسلوب يحجب عنك فائدة المعنى. خذ الحكمة، ودع ما علق بها من شوائب أخلاقية.
ثانيًا: اسأل نفسك بصدق.
هل في هذا الانتقاد جزءٌ من الحقيقة؟ فإن وجدت فيه حقًا، فقد ربحت فرصةً للتطوير، وإن لم تجد، فقد ربحت تدريبًا على الحِلم وسعة الصدر.
ثالثًا: لا تجعل النقد يُعرِّفك.
الانتقاد يصف موقفًا أو سلوكًا، لكنه لا ينقص قيمتك ولا بنزل قدرك. الإنسان أكبر من خطئه، وأوسع من عثرةٍ مرّ بها.
رابعًا: إحفظ الدرس وتجاوز الألم.
الأذكياء لا يحملون أوجاع النقد طويلًا، بل يحملون الفائدة التي خرجوا بها، ثم يمضون أقوى وأوعى.
ومن جميل الحِكم:
(إذا وجدت من يريك عيوبك بصدق، فقد وجدت كنزًا لا خصمًا.)
فمن يصفق لك دائمًا قد يُرضيك، أما من ينبهك إلى مواضع الخلل فقد يُنقذك.

قال الشافعي رحمه الله.
وَعَيْنُ الرِّضا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ وَلكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا..
وفي هذا تذكيرٌ بأن الناس قد يرون فينا ما لا نراه في أنفسنا، فالعاقل من يستفيد من الرؤية المختلفة، ولا يجعلها سببًا للعداوة أو الانكسار.
إن تحويل الانتقاد إلى درسٍ ليس ضعفًا، بل قوةٌ نادرة؛ لأن الضعيف يغضب، والمتكبر يرفض، أما الحكيم فيتأمل ويتعلم. وكل نقدٍ مرّ بك قد يكون حجرًا يُلقى في طريقك، فإما أن تتعثر به، وإما أن تبني به سلّمًا تصعد عليه.
ختاماً.. من أدرك هذا المعنى، تحوّل عنده النقد من مصدر ألمٍ إلى مصدر سعادة، ومن جرحٍ عابرٍ إلى درسٍ يبقى أثره مدى العمر.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي

إرسال التعليق