الحلم الذي لم يصبح حقيقة
المقالات : احمد معافا
في صغري، كنت أعيش رفاهية نادرة لا تتوفر لكثير من أبناء جيلي، حين كنت أرافق والدي -رحمه الله- إلى جازان على متن “الجيب الشراع”. وكان يعمل آنذاك مفتشًا لتعليم الكبار، فأقيل معه في إدارة التعليم، وأعيش تلك الرحلات التي ما زالت تفاصيلها محفورة في الذاكرة حتى اليوم.
وعلى الطريق، وقبل الوصول إلى جازان، كانت تقف لوحة كبيرة كادت الكثبان الرملية تبتلعها، كتب عليها:
“مشروع البندر السكني… الحلم الذي أصبح حقيقة.”
لم تكن مجرد لوحة عابرة، بل عبارة استقرت في أعماق ذاكرتي، وبقيت ترافقني سنوات طويلة.
ومرت الأيام… حتى جاء مساء كنت فيه مفلسًا تمامًا، كما اعتدت أن أكون في كثير من محطات حياتي، فإذا بإعلانات “برنامج الحلم” تملأ الشاشات، وتدغدغ مشاعر كل من يحلم بالخلاص المالي. عندها قفزت تلك العبارة القديمة من أعماق الذاكرة وربطها عقلي الباطن بذلك الإعلان البراق…
الحلم الذي أصبح حقيقة.
قلت في نفسي: لماذا لا يكون الدور علي هذه المرة؟
سجلت في البرنامج، وأطلقت لخيالي العنان. لم أترك احتمالًا للفوز يذهب إلى غيري، فقد كنت البطل الوحيد في تلك الليلة. بدأت أحسب قيمة المليون دولار بالريال السعودي، وأوزعها في مخيلتي على المشاريع والأحلام، وأعيش تفاصيل المكالمة المنتظرة.
كنت أسمع في خيالي صوت المذيع وهو يقول: “ألف مليون… مليون مبروك… لقد فزت معنا بمليون دولار!”
ولم أتردد في إرسال الرسائل، رغم أن الرسالة الواحدة كانت تكلف 6.25 ريال، وربما كانت أغلى رسالة نصية في العالم. كنت أقول لنفسي: لقد أرسلت كثيرًا، ولم أبخل عليهم، إذًا فأنا الأوفر حظًا.
وجاءت ليلة السحب…
رفعت صوت الجوال إلى أعلى درجة، وجهزت أفراد الأسرة، بل ورسمت في مخيلتي ردود أفعالهم عندما يسمعون خبر المليون. كنت أعيش أجمل أحلام اليقظة.
لكن… لم يحدث شيء.
مر الوقت، والجوال صامت.
حتى إنني شككت في الجهاز نفسه، فأخذت هاتف ابني واتصلت على هاتفي لأتأكد أنه يعمل، فإذا به يرن بكل قوة، فعرفت أن المشكلة ليست في الهاتف… بل في الحلم.
انتهت الليلة، وانتهى معها كل شيء، إلا انتظاري الذي استمر أيامًا، ثم أسابيع، وكأن الاتصال تأخر في الطريق!
ولم يوقظني من تلك الغيبوبة إلا رسالة من شركة الاتصالات تخبرني بأن فاتورة الجوال تجاوزت الحد الائتماني بمبلغ 350 ريالًا.
عندها فقط استيقظت.
وتذكرت ذلك البيت الشهير:
إن حظي كدقيقٍ نثروه
ثم قالوا لحفاةٍ يوم ريحٍ اجمعوه
وأيقنت أنني لم أكن أبحث عن قائل البيت بقدر ما كنت أبحث عن نفسي فيه!
ومنذ ذلك اليوم توقفت عن المشاركة… أما هم فلم يتوقفوا عن إرسال رسائلهم. فما زالت تصلني حتى اليوم، تحمل الوعود نفسها، وتداعب الغريزة الإنسانية التي تعشق الثراء السريع.
لقد أدركت أن الرابح الحقيقي في مثل هذه البرامج ليس الحالم الذي ينتظر المليون، بل الجهة التي تجمع ملايين الرسائل من ملايين الحالمين.
أما أنا… فقد خرجت منها بخسارة بعض المال، وربحت درسًا لا يُنسى.
واليوم لا أحمل في قلبي حسرة، بل ابتسامة كلما تذكرت تلك الليالي الجميلة التي كنت أحلم فيها كثيرًا…
لكنني في النهاية، صحوت على حقيقة واحدة:
أن كل حلمٍ يُباع للناس… ليس بالضرورة أن يصبح حقيقة.
بقلم الكاتب : أحمد عباس معافا

إرسال التعليق