الإدمان الرقمي… غفلة تُطفئ القلب
المقالات : أصداء المناطق
في زمنٍ تتسارع فيه التقنية حتى تكاد تبتلع الأعمار، لم يعد الابتلاء محصورًا في الشهوات الظاهرة، بل امتدّ إلى ما هو أخفى وأخطر: شهوة الانشغال. انشغالٌ يتسلل إلى القلوب بلا استئذان، ويستولي على الفكر دون مقاومة، حتى صار كثير من الناس يعيش حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه، أسير شاشة لا تنطفئ.
لم يعد الخطر في الهاتف ذاته، ولا في الإنترنت بحدّ ذاته، وإنما في ذلك الإدمان الصامت الذي يسرق الخشوع، ويؤخّر الصلاة، ويُضعف صلة الرحم، ويُبعد القلب عن ذكر الله، حتى أصبح بعضنا لا يأنس إلا بالضجيج الرقمي، ويستوحش من الخلوة مع ربه.
إنها فتنة العصر… فتنة الإدمان الرقمي، التي دخلت البيوت فأفرغتها من السكينة، وجمعت الأجساد وفرّقت القلوب. الأب مع هاتفه، والأم مع هاتفها، والأبناء كلٌّ في عالمه الخاص، تمر الساعات دون تسبيحة، وتُؤدّى الركعات والجسد في المسجد والقلب في الشاشة.
وقد نبّه النبي ﷺ إلى خطورة الفتن حين قال:
(بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم…)، في دعوة صريحة إلى المسارعة بالطاعة قبل أن تُثقل القلوب غفلة، وتقيّدها مشاغل تُلهي عن الله وتُطفئ نور الإيمان.
ويقول الله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾، تحذيرًا من الانجراف خلف زينة الحياة، والتنبيه إلى أن الغفلة ليست فقدان وقت فقط، بل فقدان قلب.
فكم من ساعة تُهدر في التصفح، وكم من ركعة تُصلّى بلا حضور؟
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ… الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
سهوٌ قد لا يكون تركًا للصلاة، بل غيابًا للقلب عنها.
كيف ننجو؟
النجاة لا تكون بالمنع المطلق، ولا بكسر الأدوات، بل بضبطها:
• تحديد أوقات واضحة لاستخدام الهاتف، وإغلاق ما لا ضرورة له.
• تخصيص ساعة يوميًا بلا إنترنت للذكر أو القراءة أو الجلوس مع الأسرة.
• تجنّب الهاتف قبل النوم وبعد الاستيقاظ لتصفية القلب.
• ملء الأجهزة بما ينفع: قرآن، علم، محاضرات هادفة.
• تربية الأبناء على الانضباط والوعي، لا على المنع الذي يولّد التمرد.
قف مع نفسك لحظة صدق، واسألها:
هل أهديت لله دقائق… وأهديت لهاتفي ساعات؟
هل أصبحت شاشتي أحبّ إليّ من مناجاة ربي؟
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أضبط وقتك قبل أن تضبطك الشاشات.
أفق قبل أن تُسلب روحك وأنت لا تشعر.
فالرجوع اليوم أهون من الندم غدًا.
اللهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلوبنا على طاعتك، واجعل التقنية نعمة لا نقمة، وقربًا لا بعدًا، واحفظ أبناءنا وبناتنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن .


إرسال التعليق