في شكرِ الإحسان وامتحانِ الإنسان
مقالات : مسعود جابر الفيفي
في الناس خِلالٌ تُعرَف بالاختبار، وطبائعُ لا يكشفها إلا طول الصحبة، وما يزال المرءُ يَخفى وجهُه الحقيقي حتى تمتحنه المواقف، وتُجرّبه الأحوال، فهناك تتبيّن فضائلُه، وتظهر منابتُ خلقه، ويتميز الخبيث من الطيب، والصادق من المتكلّف. وليس أعجبَ من أن ترى إنسانًا تُخفي أعمالُه أقوالَه، ويكشف سلوكه ما تُوارِيه مظاهرُه، فترى من خلاله صورة النفس كما هي، بلا تزيين ولا اصطناع
لمحت أخلاقك، وامتحنت شيمك، وعجمت مذاهبك على حين غفلاتك، وفي الأوقات التي يقل فيها تحفظك، أراعي حركاتك، وأراقب مخارج أثرك ونهيك، فأرى من استصغارك لعظيم النعم التي تنعم بها، واستكثارك لقليل الشكر من شاكريك، ما أعرف به وبما قد بلوت من غيرك، وما قد شهدت لي به التجارب، أن ذلك منك طبعٌ غير تكلُّف.
هيهات! ما يكاد ذو التكلف أن يُخفي على أهل الغباوة، فكيف على مثلي من المتصفّحين. فزادتني المؤانسة فيك رغبةً، وطول العِشرة لك محبة، وامتحاني أفاعيلك لك تفضيلاً، وبطاعتك دينونةً.
وكان من تمام شكري لربي ولي كل نعمة، والمبتدئ بكل إحسان، الشكر لك والقيام بمكافأتك بما أمكن من قولٍ وفعل؛ لأن الله تبارك وتعالى نظم الشكر له بالشكر لذي النعمة من خلقه، وأبى أن يقبلهما إلا معًا؛ لأن أحدهما دليلٌ على الآخر، وموصولٌ به. فمن ضيّع شكر ذي نعمة من الخلق، فأمر الله ضيّع، وبشاهده استخف.
ولقد جاء بذلك الخبر عن الطاهر الصادق صلى الله عليه وسلم، فقال: “مَن لم يشكرِ الناسَ لم يشكرِ الله.”
ولولا أن الشكر قرينُ الفضل، وأن العرف موصولٌ بالإنصاف، لكان تركه أدعى إلى العقوق، وأدلَّ على الجحود. وإنما يُعرف قدر الرجال عند مواطن الامتحان، وتبدو سرائرهم عند مواقع الامتنان؛ فربَّ امرئٍ أوسع يدًا من البحر، فإذا سُئل ضاق صدره عن قطرة، وربَّ آخر لا يملك إلا يسيراً، فإذا شُكر كثر عطاؤه، واتسع نداه.
وقد علمت من خبرك أن شيمتك تُثمر المعروف كما تُثمر الأرضُ الطيبةُ بعد الغيث، وأن نفسك لا تستثقل الجميل ولا تنفر من أداء ما يجب، لكن الغفلة قد تنال من اليقظ، والعادة قد تجرّ صاحبها إلى التقصير بغير قصدٍ ولا عَمْد.
فإياك والاعتياد؛ فإنه آفة الشاكرين، وخصلة الجاحدين، ومن استصغر نعمةً حُرم زيادتها، ومن استكثر شُكرًا قُطع عنه مددُ التوفيق. والشكر ـ وإن ظنه البعض كلمةً تُقال ـ هو هيئة نفس، وحسنُ اعتراف، وجميل مكافأة، ولين جانب، ومراعاةُ ذي الفضل في غيبته كما يُراعى في حضوره.
وقد كان الحكماء يقولون: «الشكر يُقيّد النعم قيادًا، كما تُقيَّد الخيلُ بالعنَان.»
وما زالت التجارب تُصدّق الخبر، وتُثبت أن النعمة التي لا تُشكر، كالغيث الذي لا يُنبت، والزرع الذي لا يُثمر.
فإن أنت وصلت الشكر بموضعه، وقرنت الفضل بأهله، فقد أديت حقَّ ربك، وصنتَ نفسك، وزدتَ في محبة من حولك؛ فإن النفوس مجبولةٌ على حب من أحسن إليها، وبغض من كفر نعمتها، ولو بقدر مثقال الذرة.
فاجعل الشكر ديدنك، والاعتراف بالفضل سجيّتك، تجد أبواب السماء مفتوحة، وقلوب الناس مصفّاة، والخير إليك مندفعًا اندفاع السيل إذا سالت أوديته، والله الموفق إلى سواء السبيل .
بقلم : مسعود جابر جبران الحكمي الفيفي
رئيس مجلس إدارة صحيفة أصداء المناطق


إرسال التعليق