×

التغافل يحفظ الود

المقالات : علي بن إدريس المحنشي

التغافل
ليس مجرد كلمة بل مفتاحٌ ذهبيّ لعلاقات أطول عمراً وأعمق أثراً.
في زحمة الحياة وتقلّبات النفوس والمزاجات لا يمكن لودٍّ أن يستقيم. ولا لقلبٍ أن يصفو. إلا إذا امتلك الإنسان تلك المهارة الرفيعة: فنّ التغافل.
ليس التغافل ضعفاً ولا هو تنازلًا عن كرامة بل هو وعيٌ ناضجٌ بأن العلاقات أثمن من أن نكسرها عند كل هفوة وأن القلوب ألطف من أن نُثقِل عليها بحساباتٍ دقيقة لكل كلمة وزلة.
التغافل حكمة الأقوياء..
التغافل ليس تجاهلًا. بل هو اختيار أن ترى الخطأ دون أن تُضيّق المساحة على صاحبه.
قال الإمام أحمد رحمه الله: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل.
وهذه كلمة تُعبد طريقًا كاملًا من الرفق وتمنحنا مقياساً لعلوّ النفس وصفاء القلب.
لماذا نحفظ الود بالتغافل؟
1.لأن الناس بشر: يخطئون اليوم كما أخطأنا أمس وسنخطئ غدًا.
2.لأن كثرة العتاب تُتعب النفوس وتُطفئ حرارة المودة.
3.لأن الحياة قصيرة لا تستحق أن نضيعها في الوقوف عند تفاصيل قد تقلب ميزان المحبة.
4.لأن التغافل يُشعر الآخر بالأمان بأنه محبوب رغم نقصه ومقدَّر رغم عثراته.
الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى هذا السموّ:
قال تعالى : ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾
صفح بلا منّ ولا تجريح ولا إظهار ضعف أو غيظ.
وفي الحديث قال النبي ﷺ: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
ومن ملك غضبه. ملك لسانه ومن ملك لسانه سَهُل عليه التغافل…
التغافل لا يعني تجاهل الحق
هناك فرق بين التغافل الحكيم والتساهل المذلّ:
نتغافل عن الهفوات
لكن لا نتغافل عن الظلم.
نتجاوز الزلات الصغيرة
لكن لا نترك القلوب تُهان أو تُكسَر.
التغافل فنّ. والفنّ يحتاج ميزاناً.
كيف تتقن فنّ التغافل؟

ضع في قلبك مساحة رحبة للآخرين.
قلّص دائرة العتاب.
تذكّر لحظات الخير قبل أن تتذكّر الزلل.

لا تُشهر الخطأ بل أطفئ أثره بصمتٍ جميل.
واجعل نبل قلبك أكبر من لحظة غضب.

ختاماً
إن الودّ لا يبقى بالقوة ولا يستمر بكثرة المعاتبة وإنما يزهر في ظلّ رحابة القلب.
وما أجمل القلوب التي تفتح باب العذر وتغلق باب التدقيق وتُهدي للناس صمتاً يُصلح ما أفسدته اللحظة.

التغافل ليس أن نتعامى بل أن نعفو ونحن نرى.
وما زالت العلاقات التي يحرسها التغافل تُثمر حباً لا يشيخ.

بقلم : علي بن ادريس المحنشي

إرسال التعليق