×

التفكك بعد كورونا… أزمة هادئة تهز المجتمع

المقالات : علي هادي الفيفي

تشهد المجتمعات القبلية منذ جائحة كورونا تحوّلًا عميقًا في نمط العلاقات الاجتماعية؛ فالمشهد الذي اعتدناه لعقود من الاجتماعات العائلية، والزيارات المتبادلة، والتواصل اليومي، بدأ يخفت تدريجيًا. ومع طغيان العالم الرقمي وانتشار الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل، برزت ظاهرة التفكك الاجتماعي كواقع جديد يفرض نفسه بصمت، لكنه يترك أثرًا واضحًا على النسيج الأسري والمجتمعي.

الظاهرة وأبعادها

أضحى القادم الجديد إلى أي منطقة يعيش عزلة غير مرئية؛ فلا يعرف أحدًا ولا يعرفه أحد. وقد يصل الأمر إلى مواقف مؤلمة، يتعرض فيها أفراد لمشكلات أو حتى حالات وفاة دون أن يشعر بهم محيطهم. تلك التحولات تعكس هشاشة الروابط الاجتماعية وغياب القيم التقليدية التي كانت تمثل صمام أمان للعائلات والقبائل لعقود طويلة.

أسباب الظاهرة
• العزلة الرقمية: شغل الشاشات عقول الأجيال، فصار العالم الافتراضي أقرب من الواقع.
• تداعيات جائحة كورونا: الحد من اللقاءات الطبيعية وترك آثار ممتدة على العلاقات.
• تنقّل العائلات بين المدن: ما أدى إلى تفكك الروابط المتوارثة بين الأجيال والقبائل.
• ضغوط الحياة والعمل: ازدياد مشاغل المعيشة جعل التواصل الاجتماعي في آخر القائمة.
• غياب المجالس التقليدية: تلك المجالس التي كانت تجمع الكبار والصغار وتغذي الانتماء والهوية.

الآثار المترتبة
• تراجع الدعم الاجتماعي الذي كان يحيط بالفرد في كل ظرف.
• زيادة مستويات العزلة والشعور بالانفصال عن المجتمع.
• ضعف الانتماء للأسرة والقبيلة وفقدان الهوية المشتركة.
• احتمال تعرض الأفراد لمواقف حرجة دون سند.
• فجوة بين الأجيال تؤثر على القيم والعادات المتوارثة.

الحلول المقترحة
• إحياء المجالس العائلية باجتماعات أسبوعية تعيد الدفء الاجتماعي.
• تعزيز التواصل الحقيقي ومتابعة أحوال الأقارب والجيران والوافدين الجدد.
• تشجيع الزيارات الواقعية ولو كانت قصيرة لتجديد الروابط.
• دمج الشباب في نشاطات رياضية واجتماعية وتطوعية تبعدهم عن العزلة الرقمية.
• قيام كبار العائلات بدورهم التقليدي في لمّ الشمل والتعرف على أفراد المجتمع.
• نشر الوعي بأن السؤال والتواصل قيم دينية وإنسانية قبل أن تكون اجتماعية.

خاتمة

التفكك الاجتماعي ليس ضجيجًا يُسمع، بل أزمة صامتة تتسلل إلى عمق المجتمع. ولتفادي اتساعها، علينا أن نعود إلى قيمنا الأصيلة: السؤال، الزيارة، التراحم، والتكافل. فمجتمع بلا روابط قوية، هو مجتمع يفقد أحد أهم أعمدة استقراره .

بقلم : علي هادي يزيد الفيفي

ابو خالد (تبوك )

5 comments

comments user
ابومحمد

كلام في الصميم

comments user
محمد جبران يزيد

كلام من ذهب .

فعلا هذا الي حاصل وصاير للاسف.

ابو فهد

comments user
علي

كلام جميل ي شيخ يعطيك العافيه

comments user
أحمد بن يزيد – أبو نبيل

بارك الله فيك أستاذنا الفاضل علي أبو خالد..
مقالاتك دائماً متميّزة، تلامس الواقع وتطرق قضايا اجتماعية وعائلية بالغة الأهمية. وقد أصبتَ حين أشرتَ إلى ما سبّبته بعض التقنيات الحديثة من تفكّك أسري وعائلي، فأبعدت الكبير والصغير عن مجالس الألفة والاجتماعات التي كانت منهج حياة في السابق – كما وُفِّقتَ في طرح الحلول المقترحة لمعالجة هذه الظاهرة؛ فجمعتَ بين حسن التشخيص ودقة المعالجة..

بوركت، وبورك قلمك الفيّاض بكل مفيد وجميل..

comments user
علي هادي ابو خالد

بارك الله فيكم أخواني الكرام، وشكرًا جزيلًا على كلماتكم الطيبة وثنائكم الذي أعتزّ به.
يسعدني أن المقال لامس اهتماماتكم وأن الطرح قد وفّق في تسليط الضوء على ما تعانيه الأسرة اليوم من تأثيرات التقنية الحديثة، وعلى أهمية استعادة روح المجالس العائلية التي كانت تجمع القلوب قبل الأجساد.

أسعدني تقديركم للحلول التي طُرحت، وأرجو أن يكون في هذا الطرح نفع للقراء جميعًا، وأن يسهم – ولو بقدر يسير – في تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية.

جزاكم الله خيرًا على مروركم الكريم، ودمتَم بصحة ووعي ورُقيّ.

إرسال التعليق