×

القلق.. السارق الخفي لعمر الإنسان

مقالات : علي بن ادريس المحنشي

القلق ليس مجرد شعور عابر، بل هو حالة نفسية مركّبة تتجسّد في خوفٍ داخلي وترقّبٍ مجهول دون وجود خطر حقيقي. تمتزج فيه الأفكار السلبية مع توتر الجسد، فتظهر أعراضه في سرعة النبض، واضطراب النوم، والتشتت الذهني، والانزعاج المستمر. إنه استنزاف بطيء لأجمل سنوات العمر، يسرق لحظات السكينة، ويعكّر صفو الأيام، ويحوّل المسارات المضيئة إلى دهاليز معتمة.

ومع أن القلق لا يغيّر قدراً ولا يردّ بلاءً، إلا أنه ينهك النفس ويفسد العافية. لذلك جاء قول الله تعالى:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
ليُشير إلى أن الطمأنينة تبدأ من الداخل، من يقينٍ راسخ وتوكّل صادق قبل أي ظروف أو مؤثرات خارجية.

ويجسّد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله:
«لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا».
فالطير لا تحمل همّ الغد، تبذل السبب وتترك النتائج على الله.

القلق مقصلة عمرية لأنه يهدم الروح قبل الجسد، يسرق النوم، يضعف البدن، يربك القرارات، ويفسد العلاقات. وقد قيل:
«القلق لا يمنع ألم الغد، لكنه يسرق سلام اليوم».

وفي الشعر إشارات عظيمة؛ فالمتنبي يقول:
وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي
إذا قلتُ شعراً أصبح الدهرُ منشدا

ويحذّر في موضع آخر من الهمّ بقوله:
ولا تحسبنّ المجدَ تمراً أنت آكله
لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصبرا

والشافعي رحمه الله قدّم وصفةً من ذهب حين قال:
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطِبْ نفساً إذا حكم القضاء
ولا تجزعْ لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء

وفي هذا حكمة تذكّر بأن كل شيء مؤقت، وأن الجزع لا يغيّر شيئاً بل يزيد القلب وهناً.

ولذلك كان قول النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما:
«واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك».

وما أجمل الحكمة القائلة:
«إن ضاق صدرك فارفع رأسك… فالسماء لا تضيق».

طمأنينة واحدة قد تطفئ ألف فكرة مقلقة.
لذلك خفّف عن نفسك، فما كُتب لك سيأتيك ولو وقف العالم كله ضدك، وما ليس لك لن تناله ولو ساعدك الجميع. عش يومك بتسليم، واملأ قلبك بذكر الله، وصاحِب الصالحين، وانظر للنعم بعين ممتنة…
فإن كان القلق مقصلةً للعمر، فإن الرضا هو العمر الممدود بالسكينة والطمأنينة .

بقلم : علي بن أدريس المحنشي

إرسال التعليق