×

الأسرة بين وفرةِ الاهتمام.. وشُحِّ العاطفة

المقالات : علي إدريس المحنشي

في زمن تتسارع فيه الحياة وتتزاحم فيه المسؤوليات أصبحت بعض الأسر تُحسن إدارة التفاصيل المادية لكنها تُهمل ما هو أعمق: الدفء الإنساني كأن البيوت امتلأت بالاهتمام لكنها خلت من العاطفة.

أولًا: جوهر العلاقة الأسرية في القرآن
عندما يصف الله تعالى رابطة الزوجين لا يصفها بالمسؤوليات ولا بالواجبات فحسب بل يصفها بما يحيي الأرواح قبل الأجساد:قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
هنا يتقدّم السكن والمودة والرحمة على كل شيء وكأن الرسالة:
لا قيمة لاهتمامٍ بلا دفء ولا لبيت بلا سكن روحي.
وفي وصف البِر بين الآباء والأبناء:قال تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾
أي أن الرحمة هي اللغة الأولى في التعامل الأسري قبل العطاء المادي وقبل التعليمات والاهتمام بالشؤون اليومية.

ثانيا: في السنة النبوية العاطفة ليست ضعفا بل قِيمة
كان النبي ﷺ أرقَّ الناس قلبًا مع أهله؛ يقبّل الحسن والحسين ويقول عندما استغرب الأعرابي: «مَن لا يَرحم لا يُرحم»
وفي هذا الموقف بيان واضح أن العاطفة ليست ترفًا بل عبادة.
وتقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته كان في مهنة أهله. وهي صورة لاهتمام تحمله المحبة لا مجرّد أداء واجب.
ثالثا: حين تفيض التفاصيل ويجفُّ الشعور…
كثير من الأسر اليوم تعاني مفارقة مؤلمة:
اهتمام بتأمين المصاريف
متابعة للدراسة
حضور للمناسبات
لكن. لا حضن لا كلمة دافئة لا سؤال صادق: كيف تشعر. مابك اليوم ؟
وهذا ما عبّر عنه أحد الحكماء بقوله:
قد تهتمّ بما يفعلون وتنسى أن تهتمّ بمن يكونون.
رابعا: للشعر وقفة مع العاطفة لا تُنسى..
يقول المتنبي: وما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عيبٌ
ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ
في إشارة راقية إلى أن النعومة ليست ضعفا وأن العاطفة ليست عيبا كما يظن بعض الرجال.
وقال ابن حزم في طوق الحمامة:لولا العاطفةُ ما قامت الدنيا ولا تزيّن العمر.
وقال شاعر آخر واصفاً دفء البيت: بيتٌ إذا خفَقَت فيه القلوبُ مودةً
أغنى عن القصورِ ولو علت أسوارا
خامسًا: الفرق بين اهتمامٍ يملأ اليد وعاطفةٍ تملأ القلب
الاهتمام فعلٌ يُرى..
والعاطفة شعور يُحسّ.
الاهتمام قد تصنعه العادة
لكن العاطفة لا يصنعها إلا القلب الحي.
الاهتمام يُسير شؤون العائلة
أما العاطفة فتُقيمها على أساس قوي لا تهزّه العواصف.
سادسا: كيف نعيد الدفء إلى الأسرة؟

  1. كلمة لطيفة كل صباح تغيّر يوما كاملًا.
  2. احتضان الأبناء فالطفل لا ينمو بالعقل وحده بل بالأمان.
  3. إظهار التقدير بين الزوجين فالكلمة الطيبة صدقة.
  4. تقليل النقد وزيادة التشجيع.
  5. جلسة عائلية أسبوعية بلا هواتف لاستعادة الوجوه بدل الشاشات.
    خاتمة القول
    إن وفرة الاهتمام دون عاطفة
    تشبه شجرة تُسقى بالماء البارد لكنها لا تتلقى ضوء الشمس.
    تنمو نعم لكنها لا تُثمر.
    فالأسرة لا تزدهر بالعطاء المادي وحده
    بل بحضور القلب ورقة اللفظ وصدق الشعور.
    كما قال أحد الحكماء:
    الأسرة التي تُحسن الإصغاء تُحسن العيش .

بقلم : علي ادريس المحنشي

إرسال التعليق