×

من صفاء الفطرة إلى ضجيج الحياة… لماذا يتغيّر الإنسان؟

المقالات : علي ادريس المحنشي

يولد الإنسان صفحةً بيضاء؛ يفتح عينيه على الدنيا وقلبه نقيّ كقطرة مطر، لا يعرف كبراً ولا حسداً ولا سوء ظن. جاء في الحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة»، أي على صفاء القلب ونقاء الروح. في سنواته الأولى يضحك لأبسط الأشياء، ويميل إلى الخير بفطرته، مصداقًا لقوله تعالى:
{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}.

لكن… لماذا يتحوّل بعض الناس من تلك البراءة إلى قسوة؟ لماذا تذبل البسمة، ويحلّ محلّها التكبر والغِلظة؟

أولاً: البيئة… المصنع الأول للروح

الطفل مرآة بيئته؛ يرى بعينيه قبل أن يسمع بأذنيه.
فإن عاش بين قلوب رحيمة نما قلبه على الرحمة، وإن أحاطته القسوة تعلمها كأنها اللغة الوحيدة في الحياة.
قال الشاعر:
وينشأ ناشئُ الفتيانِ فينا
على ما كان عوّده أبوه.
وفي قوله تعالى:
{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}
دعوة واضحة إلى التربية الحسنة.

ثانيًا: التجارب القاسية تصنع ملامح جديدة

يمر الإنسان بصفعات لا يبوح بها…
خيانة تطفئ نوره، أو فقد يترك فيه هوّة، أو كلمات قاسية تستقر في قلبه سنوات.
تتكوّن الأخلاق من تراكم التجارب؛ فمن لم يشفَ من جراحه حملها سلاحًا على الآخرين.
قال الحكيم: القلوب إذا امتلأت جراحًا ضاقت أخلاقها.
وفي الحديث الشريف: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

ثالثًا: الصحبة… أعمق مؤثّر على طريق الإنسان

لا يعيش الإنسان وحده؛ صوته الداخلي يتشكل من أصوات من حوله.
قال النبي ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».
الصديق السيّئ يزرع الكبر والتفاخر، والصالح يعيد الإنسان إلى أصله مهما تلوّثت التجارب.

رابعًا: الغرور حين يسقيه بريق الدنيا

قد تمنح الدنيا الإنسان ما يغريه فيظن أنه بلغ ما بلغ بحنكته وحده.
يقول تعالى:
{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}.
فالاستغناء الوهمي يولّد الكبر، ويجعل صاحبه ينسى بداياته المتواضعة.
قال المتنبي:
ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ
يجدْ مرًّا به الماءَ الزلالا.

خامسًا: غياب الوعي… حين يصبح الخطأ عادة

أسوأ ما يواجهه الإنسان أن يعيش بلا مراجعة لذاته؛ فالخلل يبدأ صغيراً ثم يصبح طبعًا.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا».
ويؤكد القرآن هذا المعنى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

هل يمكن للإنسان أن يعود كما كان؟

نعم… بل هذا هو جوهر الرسالة الإنسانية:
أن يعود القلب مهما ابتعد، وأن يلين مهما قسا، وأن يخلع ثوب الكبر مهما طال الزمن.
قال تعالى:
{لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}.
وقال الشاعر علوان السالمي:
تركتُ الذنبَ للرحمنِ لما
سمعتُ بأنه يغفرُ ذنوبا.

والتغيير يبدأ بخطوة… لحظة صدق، اعتذار خفي، أو رحمة تُقدَّم لمن حولنا.

الرسالة

يبقى في داخل كل واحدٍ منا ذلك الطفل الأول… طفل الفطرة والبراءة.
فإن عدنا إلى أصلنا عاد إلينا الحُسن،
وإن أصلحنا داخلنا صلح ظاهرنا،
وإن تواضعنا… ارتقينا.

بقلم : علي أدريس المحنشي

إرسال التعليق