×

فيروس الغباء.. أخطر من الأمية!

مقالات : علي أدريس المحنشي

في زمنٍ تتسارع فيه المعلومة كما تتسارع الأنفاس، ظهر وباء جديد لا يُرى بالعين، لكنه يُصيب العقول فيعمّي البصائر قبل الأبصار… إنه فيروس الغباء الفكري، أخطر من الأمية وأشد فتكًا بالمجتمعات.

قد نعذر الجاهل لجهله، لكنه يُغفر للمغرور غباءه؟!
ذلك الذي يظن نفسه على قمة الفهم، بينما يقف في قاع الوعي، يرفض الحق لأنه لا يوافق رأيه، ويجادل بلا علمٍ كمن يحارب ظله!

لقد كانت الأمية يومًا حاجزًا عن القراءة، لكنها لم تكن يومًا حاجزًا عن الحكمة.
كم من أميٍّ حكيمٍ أدرك جوهر الحياة ببصيرته، وكم من متعلمٍ غارقٍ في الغرور لا يفرّق بين الحقيقة والوهم! فالأمية تُمحى بالتعلم، أما الغباء فيتغذى بالغرور، ويُطفئ نور العقل بالعناد.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
(الأنفال: 22)

الخطر الحقيقي ليس في فقدان الحواس، بل في تعطيل نعمة العقل.
إنّ الغباء لا يكتفي بصاحبه، بل ينتقل كعدوى؛ حين يردّد الناس ما يسمعون دون وعي، وينشرون ما لا يفهمون، فيتحول الجهل إلى رأيٍ عام، وتُصبح الأصوات الحكيمة كأنها تهمس في عاصفة من الصخب.

وقد قال النبي ﷺ:

“كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع”
(رواه مسلم)

تحذير نبوي عميق من التسرع في نقل الكلام دون وعيٍ وتمحيص، فالعجلة في القول من علامات الغباء الفكري.

إنّ مقاومة هذا الفيروس لا تكون بكثرة الكتب ولا بتراكم الشهادات، بل ببناء عقلٍ ناقدٍ حرّ، يرى ما وراء الكلمات، ويميز بين الحقيقة والزيف، وبين الفكر والانفعال.
فالعقول الحرة هي حصانة الأمم، بها تنهض وتتعافى، وبدونها تتيه في دوامة الجهل.

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(الزمر: 9)

الغباء ليس قدَرًا، بل قرارٌ ناتج عن رفض التفكير وإغلاق النوافذ أمام الضوء.
فاحذر أن تكون ممن يلعنون الظلام وقد أطفؤوا مصابيح عقولهم بأيديهم.
فالنور لا يُمنح لمن يغلق عينيه، والعقل لا يثمر في أرض الغرور .

بقلم : علي أدريس المحنشي

إرسال التعليق