برد الشتاء.. ودفء الأمان
المقالات : علي الفيفي – تبوك
يأتي الشتاء كل عام متوشّحًا برده، محمّلًا برائحة المطر وذكريات الأيام التي نُحبّها ولا ننساها.
ذلك الفصل الذي يوقظ فينا الحنين، حين تتساقط قطراته على النوافذ وكأنها أنغام دفءٍ خفيّ، يلامس الروح قبل الجسد.
كم من ليلةٍ شتويةٍ بردها قارس، لكنّها دافئة بضحكات العائلة حول المدفأة، يتقاسمون الأحاديث والذكريات وكأنهم يطردون صقيع المساء بالحبّ. كان الشتاء — وما زال — فصلاً يذكّرنا بأن الدفء الحقيقي ليس في النار المشتعلة، بل في القلوب التي تشتعل مودةً ورحمة.
في الماضي، كان الناس يواجهون البرد بالحطب والفحم، وكانت البيوت من الطين أو الحجر، تتسلل إليها الريح من الشقوق، ولكنها عامرة بالأُلفة. كان الجيران يتقاسمون ما لديهم، فيُشعل أحدهم النار في بيته، فتستدفئ بها قلوب الحيّ بأكملها. كان الدفء آنذاك يُستمد من التآخي لا من الكهرباء، ومن المشاركة لا من الأجهزة الحديثة.
أما اليوم، فقد أنعم الله علينا بنِعَمٍ لا تُعدّ ولا تُحصى.
الكهرباء تُنير بيوتنا، والمدافئ تعمل بلمسة زر، والماء الساخن يجري في كل بيت. ننام في أمنٍ وطمأنينة، ونتنقّل في طرقاتٍ آمنةٍ رغم المطر والضباب، بفضل نعمة الأمن والاستقرار التي أكرم الله بها بلادنا في ظل قيادةٍ جعلت الإنسان أولويّة.
إنه دفء آخر، دفء الأمان الذي يحرسنا قبل أن نحتمي من البرد.
لكن رغم هذا النعيم، تبقى في الزوايا قصص صامتة تحتاج إلى دفء القلوب قبل دفء المواقد.
عاملٌ يقف تحت المطر يؤدّي عمله بإخلاص، وأمٌّ تُغطي أبناءها بما تيسّر من بطانيات، وشيخٌ كبير ينتظر يدًا تمتدّ إليه بالحنان. هؤلاء هم من يستحقون أن نتذكّرهم، وأن نُشعل لهم شمعةً من رحمتنا في ليل الشتاء الطويل.
الشتاء ليس موسم بردٍ فحسب، بل موسم اختبارٍ لقلوبنا.
فرغم ما نملكه من وسائل راحة، يبقى أجمل ما نقدّمه في هذا الفصل أن ندفئ الآخرين بإنسانيتنا، ونُحيي فيهم الأمل بابتسامةٍ صادقةٍ وعطاءٍ نابعٍ من القلب.
فلنجعل من دفء بيوتنا جسرًا يمتدّ إلى الآخرين، ومن دفء قلوبنا نورًا يبدّد برد العوز والوحشة.
ولتكن أيام الشتاء في بلادنا لوحةً يجتمع فيها المطر والأمن، والبرد والرحمة، والسكينة التي لا تعرف إلا أرضًا آمنةً وقلوبًا حانية .
بقلم : علي هادي يزيد الفيفي ( ابو خالد )


4 comments