×

انفخ يا شُريم… قال: مابه بُرطم

مقالات : علي بن إدريس المحنشي

في تراثنا الشعبي، لا تولد الأمثال من فراغ، بل من التجربة والدهاء، ومن دهشة الإنسان أمام مواقفه المتكررة في الحياة.
ومن بين تلك الأمثال التي تمزج الطرافة بالحكمة، يبرز هذا القول العفوي: «انفخ يا شُريم قال: مابه بُرطم»، مثلٌ بسيط في لفظه، عميق في معناه، يُجسّد حال أولئك الذين يبررون العجز قبل أن يشرعوا في الفعل، ويستسلمون للشكوى قبل أن يجربوا المحاولة.

تُحكى القصة أن أحدهم طلب من “شُريم” أن ينفخ النار لتشتعل، فبادر الأخير بالاعتذار: «ما عندي برطم»، أي لا شفتين لي! وكأن الحيلة لم تُمنح له من الأصل، فلا جدوى من التكليف ولا مكان للمحاولة. وهكذا أصبح هذا القول رمزًا لمن يرى الصعوبة قبل أن يخطو، ولمن يئد الفعل في مهده بحجة العجز أو نقص الإمكان.

ولعل أبلغ ما في هذا المثل أنه ينضح بالسخرية من النفس البشرية حين تلوذ بالأعذار، فيختصر فلسفة كاملة في سطرٍ واحد:

إن بعض الناس يختار الهروب إلى العجز، لا لأن الطريق مسدود، بل لأن العزيمة غائبة.

كم يشبه “شُريم” اليوم كثيرين من حولنا — أولئك الذين يتحدثون عن غياب الفرص، وهم لم يطرقوا بابًا واحدًا؛ ويشتكون من قسوة الظروف، وهم لم يخطوا خطوةً لتغييرها. تراهم يكررون في كل موقف عبارةً جديدة تعني المعنى نفسه: “ما عندي برطم”.

إن المثل، على بساطته، يوقظ فينا وعيًا خفيًا:
أن النجاح لا يحتاج إلى أدواتٍ كاملة بقدر ما يحتاج إلى رغبة صادقة ومحاولة جادة. فكم من إنسانٍ بدأ من العدم فصنع مجده بيديه، وكم من آخر أُوتي كل شيءٍ فضيّعه بالكسل والتردد.

وقد قال الشاعر:

إذا كنتَ ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ
فإن فسادَ الرأي أن تترددا

فالإرادة هي أول الأدوات، والعزيمة هي الوقود الذي يشعل نار الإنجاز.
أما الأعذار، فهي رمادٌ يطفئ كل محاولة، والشكوى ريحٌ تُطفئ كل شرارة أمل.

وفي خاتمة القول:
ليست المشكلة أن تفتقر إلى الوسائل، بل أن تفتقر إلى الإصرار.
فالأدوات تُكتسب، والعزيمة تُولد من الإيمان بالقدرة.
ومن أراد أن يرى النور، فليبدأ بالنفخ، ولو لم يكن له “برطم”

فحين تشتعل الإرادة، تمنح الضعف ألف فمٍ وألف يدٍ، وتفتح للطامحين طريقًا من نورٍ لا تنطفئ شعلته .

بقلم : علي بن ادريس المحنشي

تعليق واحد

comments user
عبدالله

شكرا لطرحكم

إرسال التعليق