×

التعليم عن بُعد.. نعمة تستحق المسؤولية

المقالات : مسعود الفيفي

حين تدخل المدرسة كل بيت.. تصبح الأسرة شريكًا في صناعة المستقبل

لم تعد المدرسة في عصرنا الحاضر مجرد مبنى يذهب إليه الطالب كل صباح، ولا فصلًا دراسيًا تحده الجدران والمقاعد، بل أصبحت المعرفة قادرة على الوصول إلى أبنائنا أينما كانوا، عبر شاشة صغيرة تختصر المسافات، وتتجاوز العوائق، وتفتح أبواب التعلم في ظروف لم يكن التعليم التقليدي قادرًا دائمًا على التعامل معها بالمرونة نفسها.

إننا أمام نعمة عظيمة تستحق أن نستشعر قيمتها قبل أن نناقش تحدياتها؛ نعمة أن يستمر تعليم أبنائنا حتى عندما تحول الظروف الجوية أو الصحية أو غيرها من الأسباب دون وصولهم إلى مدارسهم، وأن تبقى العملية التعليمية حاضرة في منازلنا بفضل الله أولًا، ثم بما أتاحته بلادنا من إمكانات تقنية وتنظيمية وتعليمية.

ولكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بصدق: هل أدركنا نحن أولياء الأمور حجم هذه النعمة؟ وهل تعاملنا مع التعليم عن بُعد باعتباره يومًا دراسيًا حقيقيًا، أم أن بعضنا لا يزال ينظر إليه بوصفه إجازة غير معلنة؟

هنا تبدأ القضية التي تستحق أن تكون موضوعًا للنقاش المجتمعي.

الأسرة.. حين تصبح شريكًا في الفصل الدراسي

إن نجاح التعليم عن بُعد لا يتحقق بمجرد توفير الأجهزة والاتصال بالإنترنت، ولا باكتمال المنصات الإلكترونية وجاهزية المعلمين، وإنما يبدأ من المنزل، وتحديدًا من وعي الأسرة بمسؤوليتها التربوية.

فالطالب الذي يجلس أمام شاشة الحاسوب أو الجهاز اللوحي يحتاج إلى متابعة لا تقل أهمية عن متابعته حين يغادر إلى المدرسة، بل ربما تتضاعف الحاجة إليها في المراحل الدراسية المبكرة.

ومن المؤسف أن تتحول هذه الفرصة التعليمية لدى بعض الأسر إلى وقت للنوم أو الانشغال أو الترفيه، بينما تُترك الحصص الدراسية دون متابعة، أو يُكتفى بتسجيل الدخول دون مشاركة فعلية أو تحصيل علمي.

إن حضور الطالب إلكترونيًا لا يعني بالضرورة حضوره ذهنيًا، كما أن فتح المنصة لا يعني تحقق التعلم.

وهنا ينبغي أن تتذكر كل أسرة أن دورها لا يقتصر على إيقاظ الأبناء وتوفير الأجهزة، بل يشمل تهيئة المكان المناسب، وتنظيم الوقت، ومتابعة الواجبات، وتشجيع التفاعل مع المعلمين، وغرس قيمة الانضباط والاعتماد على النفس.

وليس المطلوب أن يتحول الأب أو الأم إلى معلم بديل، وإنما أن يكونا سندًا تربويًا يعزز دور المدرسة، ويحافظ على جدية اليوم الدراسي.

فالتقنية تستطيع أن تنقل الدرس إلى المنزل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تغرس المسؤولية في نفوس الأبناء.

جهود وطنية تستحق التقدير

وعندما نتحدث عن التعليم الرقمي في المملكة العربية السعودية، فإننا نتحدث عن مسار مؤسسي امتد عبر سنوات من التطوير والاستثمار في البنية التقنية والمحتوى التعليمي وتأهيل الكوادر البشرية.

وقد برزت أهمية هذا المسار بوضوح خلال جائحة كورونا، حين أصبح استمرار التعليم تحديًا عالميًا، واستُخدمت في المملكة منظومات تعليمية رقمية ساعدت على مواصلة الدراسة في مختلف المراحل.

ولم يكن الأمر مجرد بث للحصص عبر الإنترنت، بل شمل بناء بيئات تعليمية متكاملة لإدارة الدروس والواجبات والاختبارات والتواصل بين المدرسة والطالب والأسرة.

وتأتي منصة «مدرستي» بوصفها إحدى أبرز التجارب الوطنية في هذا المجال، إلى جانب منظومة «عين» التعليمية، والخدمات الرقمية التي تقدمها وزارة التعليم، والأدوار التي تضطلع بها الجهات المختصة بالتعليم الإلكتروني وتطوير أدواته ومعاييره.

وتعكس هذه الجهود توجهًا نحو تعزيز مرونة التعليم واستمراريته، وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة، ورفع كفاءة الاستفادة من التقنيات الحديثة، بما ينسجم مع مستهدفات تطوير التعليم وتنمية القدرات البشرية في رؤية السعودية 2030.

ومن الإنصاف أن ندرك أن هذه المنظومة لم تنشأ من فراغ؛ فخلف كل حصة افتراضية جهود في إعداد المحتوى، وتشغيل الأنظمة، وتأهيل المعلمين، وتقديم الدعم الفني، وحماية البيانات، وتطوير الخدمات.

وهي جهود تستحق التقدير، كما تستحق أن يقابلها المجتمع بالوعي وحسن الاستخدام والمسؤولية.

هل تصبح الفصول الافتراضية مدرسة المستقبل؟

هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح من الأسئلة المهمة التي ينبغي أن يناقشها المختصون وأولياء الأمور وصناع القرار التربوي.

فالتطور المتسارع في تقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي والوسائط التفاعلية يفتح آفاقًا واسعة أمام أنماط تعليمية أكثر مرونة، تستطيع الجمع بين التعليم الحضوري والتعليم الرقمي، وتقديم محتوى يتناسب مع احتياجات المتعلمين وقدراتهم.

ومن وجهة نظري، فإن مدرسة المستقبل لن تُقاس بعدد الفصول والمباني وحدها، وإنما بجودة التعليم الذي تقدمه، وقدرتها على الوصول إلى الطالب، ومستوى المهارات والمعارف التي يكتسبها.

ولعل من المناسب أن نعيد التفكير في بعض المفاهيم التقليدية المرتبطة بالبيئة المدرسية، وأن نتساءل: هل تحتاج كل عملية تعليمية إلى وجود الطالب والمعلم داخل مبنى واحد طوال الوقت؟ وهل يمكن أن تسهم الفصول الافتراضية في تخفيف بعض التكاليف التشغيلية، والحد من التنقلات غير الضرورية، وتعزيز الاستفادة من الموارد التعليمية؟

إن الإجابة تستحق دراسة علمية واقتصادية وتربوية متأنية.

فالتعليم الرقمي قد يتيح فرصًا لرفع كفاءة الإنفاق في بعض المجالات، لكنه لا يعني بالضرورة الاستغناء عن المدارس أو أن التعليم الافتراضي أقل تكلفة في جميع الحالات؛ إذ يحتاج بدوره إلى بنية اتصال موثوقة، وأجهزة مناسبة، ومنصات آمنة، ومحتوى متطور، ودعم فني مستمر.

كما أن المدرسة الحضورية تؤدي أدوارًا إنسانية واجتماعية وتربوية يصعب اختزالها في شاشة، ومنها بناء العلاقات، وتنمية مهارات التواصل، وممارسة الأنشطة، وتعزيز الانتماء، واكتساب الخبرات العملية.

ولذلك فإن المستقبل الذي يستحق أن نعمل من أجله ليس بالضرورة مدرسة بلا مبانٍ، وإنما مدرسة أكثر ذكاءً ومرونة، تجمع بين أصالة التربية وكفاءة التقنية.

المناطق الجبلية والنائية.. فرصة تستحق الاهتمام

وفي المناطق الجبلية والنائية، تتجلى أهمية التعليم عن بُعد بصورة أكثر وضوحًا، خصوصًا عندما تتسبب الأمطار أو الضباب أو صعوبة الطرق في تعذر الوصول الآمن إلى المدارس.

وهنا تصبح الفصول الافتراضية وسيلة مهمة للمحافظة على استمرارية التعلم، وتقليل أثر الانقطاع المؤقت، دون تعريض الطلاب والمعلمين لمخاطر التنقل في الظروف غير المناسبة.

غير أن تحقيق هذه الفائدة يتطلب معالجة تحديات حقيقية، في مقدمتها جودة شبكات الاتصالات، وتوافر الإنترنت، وإمكانية حصول جميع الطلاب على الأجهزة المناسبة.

فليس من العدالة أن نطالب طالبًا بالانتظام الكامل في التعليم الإلكتروني بينما يعاني منزله من ضعف الاتصال، أو لا تتوافر لديه الوسائل التقنية اللازمة.

ومن هنا فإن تطوير التعليم الرقمي ينبغي أن يسير بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية للاتصالات، حتى تصل الفرص التعليمية إلى الجميع بصورة عادلة وفاعلة.

بين نعمة التقنية ومسؤولية المجتمع

إن أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس مجرد الإعجاب بالتقنيات الحديثة، وإنما بناء ثقافة مجتمعية جديدة تدرك أن التعليم مسؤولية مشتركة.

فوزارة التعليم توفر المنظومة وتنظم العملية التعليمية، والمدرسة تتابع وتوجه، والمعلم يشرح ويقيم، والأسرة تراقب وتساند، والطالب يتحمل نصيبه من المسؤولية بحسب عمره وقدرته.

وحين يختل أحد هذه الأدوار، تتراجع الفائدة مهما بلغت كفاءة المنصات والتجهيزات.

ومن المهم كذلك ألا يتحول الإشراف الأسري إلى مراقبة مرهقة أو ضغط نفسي على الأبناء، بل ينبغي أن يقوم على التشجيع والحوار وتنمية الانضباط الذاتي، حتى يتعلم الطالب أن طلب العلم واجب ومسؤولية، سواء كان داخل الفصل المدرسي أو أمام شاشة في منزله.

رسالة إلى كل أسرة

حين تُعلن الدراسة عن بُعد لأي سبب، فإن أول ما ينبغي أن نستحضره هو الحمد لله على نعمة استمرار التعليم، ثم تقدير ما وفرته بلادنا من خدمات وإمكانات.

لا تجعلوا ذلك اليوم فرصة لإهمال الدراسة، ولا تتركوا أبناءكم أمام الأجهزة دون توجيه، ولا تختزلوا نجاحهم في مجرد تسجيل الحضور.

اسألوا أبناءكم عما تعلموه، وتابعوا أداءهم، وتواصلوا مع معلميهم عند الحاجة، وكونوا شركاء حقيقيين في رحلتهم التعليمية.

وتذكروا أن ما نغرسه اليوم من انضباط ومسؤولية سيبقى معهم مستقبلًا، وأن حسن استخدام التقنية لا يقل أهمية عن امتلاكها.

كلمة أخيرة

إن التعليم عن بُعد ليس مجرد حل مؤقت تلجأ إليه المدارس عند الظروف الطارئة، بل تجربة تعليمية مهمة يمكن أن تسهم في تشكيل ملامح المستقبل، متى أحسنّا تطويرها وتقييمها والاستفادة منها.

وإذا كانت المملكة قد قطعت خطوات مهمة في بناء منظومة التعليم الرقمي، فإن مسؤوليتنا المجتمعية تقتضي أن نحافظ على هذه المكتسبات، وأن نعمل على تحويلها من أدوات تقنية إلى ثقافة تعليمية راسخة.

إننا بحاجة إلى حوار وطني تربوي هادئ حول مستقبل الفصول الافتراضية، وكفاءة الإنفاق التعليمي، وعدالة الوصول إلى التقنية، وأدوار الأسرة والمدرسة، بعيدًا عن المبالغة في تمجيد التعليم الرقمي أو التقليل من قيمة التعليم الحضوري.

فالمدرسة الحقيقية ليست جدرانًا تحتضن الطلاب فحسب، بل رسالة تبني الإنسان، والمعرفة لا تفقد قيمتها حين تنتقل من السبورة إلى الشاشة.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها جميعًا هي:

أن الدولة تستطيع أن تهيئ وسائل التعليم، والمعلم يستطيع أن يقدم المعرفة، لكن الأسرة الواعية هي التي تساعد أبناءها على تحويل هذه الفرص إلى نجاح ومستقبل.

فلنستشعر النعمة، ولنقدّر الجهود، ولنؤدِّ الأمانة؛ فأبناؤنا لا يتعلمون من أجل اجتياز يوم دراسي، بل يستعدون لصناعة مستقبل وطن.

إرسال التعليق