حين يُنسى الجميل
المقالات : علي المحنشي
ليست قسوة الجحود في غياب كلمة شكر، بل في أن يتنكر إنسان ليدٍ امتدت إليه وقت حاجته، وأن يطوي صفحاتٍ من الود والمساندة كأنها لم تكن. فبعض المواقف لا تؤلمنا لحجم ما خسرناه، وإنما لأنها تكشف أن ما حفظناه في قلوبنا من معروف، لم يجد في قلوب الآخرين مكانًا يبقى فيه.
إن الوفاء من أنبل ما تتصف به النفوس الكريمة؛ تحفظ العهد، وتصون الود، وتذكر لمن وقف معها فضله، مهما تبدلت الأحوال وتباعدت المسافات. أما نكران الجميل، فيبدأ بتجاهل المعروف، وقد ينتهي بالتنكر لصاحبه، فتتهدم به جسور الثقة، وتذبل معه علاقات بناها الصدق على امتداد السنين.
وقد جاء ديننا الحنيف داعيًا إلى الإحسان، حاثًّا على الشكر وحفظ الفضل، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. وفي هذه الآية معنى عظيم يستنهض في النفس تقدير الخير ومقابلته بالخير؛ فلا يُستقبل المعروف بالجحود، ولا تُقابل المواقف النبيلة بالإساءة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». فشكر الناس اعتراف بفضلهم، وتقدير لما بذلوه، وصيانة لمعنى إنساني تحتاج إليه كل علاقة. وقد تعجز عن رد المعروف بمثله، لكنك تستطيع أن تحفظه بكلمة صادقة، ودعوة طيبة، وموقف وفيّ حين يحتاج إليك صاحبه.
ومن أشد صور الجحود أن يُختزل تاريخ طويل من الإحسان في خلاف عابر؛ فيُنسى من المعروف كثيره، ويُستحضر من الزلل قليله. والإنصاف يقتضي ألا يمحو الاختلاف فضلًا سابقًا، وألا تتحول الخصومة إلى إنكار لكل موقف جميل. فمن حقك أن تختلف، وأن تعاتب، وأن تختار المسافة التي تحفظ بها نفسك، مع بقاء الفضل محفوظًا لأهله.
وقد عبّر الشعر عن اختلاف النفوس في استقبال الإحسان، في البيت المشهور:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ
وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدَا
فالنفس الكريمة يزيدها الإحسان تقديرًا ومودة، بينما قد تستقبل النفس الجاحدة العطاء بوصفه حقًّا دائمًا، فإذا انقطع أنكرت ما سبقه، وإذا تغيرت مصالحها تنكرت لمن أحسن إليها.
ومع ذلك، فإن الوفاء لا يمنح المحسن حق التحكم فيمن أحسن إليه، ولا يجعل المعروف وسيلة للمنّ واستدامة التبعية. فكما أن على من تلقى الإحسان أن يحفظه، فإن على من بذله أن يصونه من الأذى؛ ليبقى العطاء نقيًّا، والشكر صادقًا، والعلاقة قائمة على الاحترام.
إن المواقف تكشف معادن الناس، وأصدق الوفاء ما بقي بعد زوال الحاجة وتغيّر الظروف. فاحفظ لمن ساندك مكانته، ولا تجعل خلاف اليوم يمحو جميل الأمس. وإن قوبل إحسانك بالجحود، فلا تسمح لخيبة عابرة أن تنتزع منك طيبك؛ فما بذلته من خير يبقى شاهدًا على أصلك، وما اختاره الآخر يكشف عن نفسه.
كن وفيًّا؛ فحفظ الجميل من جمال النفس، والاعتراف بالفضل رفعة لصاحبه.
بقلم الاعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي



إرسال التعليق