×

حين يعود العمل معك

المقالات : سامي المجرشي

الساعة التاسعة مساءً؛ العشاء على الطاولة، والأسرة تنتظر، فيما تتوالى رسائل العمل على الهاتف. يجلس الموظف بين أبنائه، لكن ذهنه عالق باجتماع الغد، وتقرير لم يكتمل، وقرار ينتظر الحسم. وبين حديث ينقطع وإشعار يتكرر، تأتي العبارة الأكثر تعبيرًا عن المشهد: «أنت معنا بجسدك، لكنك بعيد عنّا».

مشهد يطرح سؤالًا يتجاوز حدود الوظيفة: متى يتحول الإخلاص للعمل إلى استنزاف للحياة؟

العمل مسؤولية، والإتقان قيمة، وتحمل الأعباء جزء من النضج المهني. غير أن هذه المعاني تفقد توازنها حين يصبح الموظف متاحًا طوال الوقت، ويُقاس التزامه بسرعة الرد ليلًا، أو بطول بقائه بعد انتهاء الدوام. عندها يتسع يوم العمل تدريجيًا، حتى يضيق بما عداه من حياة.

وقد يبدأ الأمر بطلب عابر، أو مهمة عاجلة، أو اتصال خارج الوقت المعتاد. ثم يتكرر الاستثناء، ويصبح عادة، وتتحول العادة إلى توقع دائم؛ حتى يشعر الموظف بأن إغلاق هاتفه تقصير، وتأجيل الرد إلى صباح اليوم التالي إخلال بالمسؤولية.

دوام ينتهي.. وانشغال يستمر

ليست مغادرة المكتب نهاية حقيقية للعمل إذا ظلت المهام تلاحق صاحبها إلى المنزل. فمن يراجع التقارير أثناء العشاء، ويتابع المراسلات قبل النوم، ويستيقظ منشغلًا بما لم يُنجزه، يعيش امتدادًا ليومه الوظيفي، وإن غابت عنه الجدران والمكاتب.

ومع تكرار هذا النمط، تتآكل المساحة المخصصة للراحة والعلاقات والاهتمامات الشخصية. يصبح الوقت العائلي قابلًا للمقاطعة دائمًا، وتُؤجل الأنشطة التي تعيد للإنسان حيويته، بينما تظل مطالب العمل حاضرة بلا حدود واضحة.

والسؤال هنا ليس عن أهمية الاجتهاد، بل عن قدرة هذا الأسلوب على الاستمرار، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد والمؤسسة حين يُستهلك الحماس دون فرصة كافية لاستعادته.

للطوارئ حدود

تفرض بعض المهن والقطاعات الحيوية تدخلًا خارج ساعات الدوام، وتحتاج بعض المسؤوليات إلى جاهزية تتجاوز التوقيت المعتاد. وهذه طبيعة عمل ينبغي الاعتراف بها وتنظيمها بوضوح، من خلال المناوبات وتحديد المسؤوليات وآليات الاستجابة.

لكن الخلل يبدأ حين تُعامل كل مهمة على أنها طارئة، أو حين يصبح الاتصال بالموظف مساءً بديلًا عن التخطيط أثناء النهار. فالتأخر في توزيع المهام، وغموض الصلاحيات، وضعف التفويض، قد تصنع استعجالًا كان بالإمكان تجنبه.

وإذا كان سير العمل يتوقف على تدخل المدير في كل تفصيل، فإن المؤسسة تحتاج إلى مراجعة أسلوب إدارتها. قوة القيادة تظهر في بناء فريق يعرف مسؤولياته، ويمتلك صلاحياته، ويدرك متى يتخذ القرار ومتى يصعّده إلى المستوى المناسب.

الحضور الذي تحتاجه الأسرة

قد يكون الإنسان داخل بيته، لكنه لا يمنح أسرته من انتباهه إلا ما يتبقى بين إشعار وآخر. يسمع حديث أبنائه دون أن يتابع تفاصيله، ويؤجل مشاركتهم إلى ما بعد إنهاء مهمة تتبعها مهمة أخرى.

ولا تتطلب العلاقات الأسرية تفرغًا كاملًا بقدر ما تحتاج إلى حضور صادق ووقت يمكن الاعتماد عليه؛ وقت يشعر فيه أفراد الأسرة بأن أحاديثهم واحتياجاتهم تحظى بالاهتمام.

فاللحظات الصغيرة، من جلسة هادئة إلى حديث عابر مع طفل، تصنع القرب والثقة. وحين تُؤجل باستمرار، لا يكون المفقود مجرد دقائق، بل فرصًا للمشاركة قد يصعب تعويضها لاحقًا.

التوازن يبدأ من الإدارة

لا تكفي مطالبة الموظف بتنظيم وقته إذا كانت بيئة العمل تكافئ التوفر الدائم، أو تحمّله مهام تفوق الوقت والموارد المتاحة. حماية طاقة العاملين مسؤولية مشتركة، وللقيادة دور أساسي في تحقيقها.

ويبدأ ذلك بتوزيع عادل للأعباء، وأولويات واضحة، ومواعيد واقعية للتسليم، واحترام أوقات الراحة. كما يتطلب اتفاقًا على ما يستدعي التواصل خارج الدوام، وما يمكن تأجيله، ومن يتولى الاستجابة عند الضرورة.

وللمدير أثر مباشر في ترسيخ هذه الثقافة؛ فرسالته المتأخرة قد يفهمها الموظف طلبًا للرد الفوري، حتى لو لم يقصد ذلك. ولهذا تساعد الممارسات البسيطة، مثل جدولة الرسائل وتوضيح درجة الاستعجال، على منع تحول التواصل إلى ضغط مستمر.

وفي المقابل، يتحمل الموظف مسؤولية إنجاز مهامه بكفاءة، والإبلاغ المبكر عن تعثرها، ومناقشة حجم الأعباء بوضوح. فالتوازن يحتاج إلى التزام متبادل يحفظ جودة العمل وحق الإنسان في الراحة.

أثر في العمل.. وحضور في الحياة

سيغادر كل موظف موقعه يومًا، ويتولى غيره المسؤوليات، وتستمر الاجتماعات والتقارير والقرارات. وهذه الاستمرارية دليل على سلامة المؤسسة وقدرتها على تجديد نفسها.

أما السنوات التي تمضي بعيدًا عن الأسرة، والاهتمامات التي تُهمل طويلًا، فلا يمكن استعادتها بقرار إداري أو تعويضها بترقية.

لذلك، يستحق النجاح أن يُقاس بما يحققه الإنسان، وبقدرته على مواصلة العطاء دون أن يفقد صحته وعلاقاته ومعنى حياته خارج الوظيفة. وتستحق القيادة أن تُقيَّم بقدرتها على تحقيق النتائج وبناء منظومة تحافظ على طاقة من يصنعونها.

أخلص لعملك، وامنحه حقه من الجهد والإتقان، واجعل لأسرتك وراحتك حقًا واضحًا في يومك؛ فالأثر المهني يبقى أجمل حين يصاحبه حضور دافئ في حياة من تحب.

ويبقى السؤال أمام كل قائد ومسؤول: هل نقيس إخلاص الموظف بجودة ما ينجزه، أم بحجم ما يتنازل عنه من حياته؟

م . سامي يحيى مجرشي

إرسال التعليق