×

المغمس.. ذاكرةٌ وحرمة

المقالات : مسعود الفيفي

في مكة المكرمة، تحمل الأمكنة معنى يتجاوز حدود الجغرافيا؛ فكل وادٍ يستدعي صفحةً من التاريخ، وكل طريق يذكّر بمكانة هذه الأرض في وجدان المسلمين. ولهذا، أعاد ورود اسم «وادي المغمس» في بيان سقوط أجزاء من صواريخ جرى اعتراضها، إلى الأذهان ذاكرةً قديمة، وفتح باب التأمل في حرمة المكان ومسؤولية حمايته.

وبحسب بيان المتحدث الرسمي للدفاع المدني، يوم السبت 24 أكتوبر 2026م، باشرت الفرق المختصة سقوط شظايا اعتراض صاروخين باليستيين أطلقتهما الميليشيا الحوثية باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة. وسقطت أجزاء منهما في وادي المغمس بالعاصمة المقدسة، وشظايا الاعتراض في حي النزهة بجدة، ووادي جليل بالطائف، ومركز مستورة برابغ، مع تنفيذ الإجراءات المعتمدة لمثل هذه الحالات.

هذه الوقائع، بما تحمله من تهديد لسلامة السكان، تستوجب إدانة واضحة؛ فتعريض الناس للخطر لا تمنحه الشعارات مشروعية، ولا تبرره الخلافات السياسية. وحين يتعلق الأمر بمنطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، تتضاعف حساسية الحدث، لما تحتضنانه من مقدسات، وما تستقبلانه من حجاج ومعتمرين وزوار يقصدون العبادة والسكينة.

وفي قلب المشهد يبرز المغمس، الوادي الواقع شرقي مكة، والذي يشكّل حدًّا جغرافيًّا طبيعيًّا لشمال شرقي مشعر عرفات، ونقطة اتصال بين عرفات ووادي حنين. وتورد «سعوديبيديا» ارتباطه بحادثة الفيل، إذ تذكر المصادر التاريخية أن أبرهة اتخذ منه موقعًا لمعسكر جيشه في مسيره نحو مكة بقصد هدم الكعبة. ومن هنا جاءت قوة حضور اسمه في الذاكرة، واستدعاؤه كلما تجدد الحديث عن حرمة البيت الحرام.

غير أن استحضار التاريخ يقتضي الدقة؛ فالارتباط التاريخي للوادي بحادثة الفيل لا يثبت أن موضع سقوط الأجزاء اليوم هو البقعة نفسها التي شهدت تفاصيلها، ولا يمنحنا أساسًا للجزم بمقاصد غيبية وراء تزامن المكان والحدث. وتبقى العبرة قائمةً في وجوب تعظيم الحرمات، وصون الأرواح، ورفض العدوان، من دون تحميل الوقائع ما لم تثبته المصادر.

كما أن التمييز بين إطلاق الصواريخ باتجاه منطقة إدارية، وبين إثبات استهداف الحرمين مباشرة، ضرورة تحريرية تحفظ صدقية الكلمة. فخطورة ما أُعلن تستحق موقفًا مسؤولًا، ولا تحتاج إلى إضافة تفاصيل غير موثقة لتأكيد جسامتها.

وفي مواجهة هذا الخطر، يبرز تقدير جهود من يسهرون على حماية الأجواء، ورجال الدفاع المدني والجهات المختصة الذين يتعاملون مع آثار الاعتداءات. وتكتمل هذه الجهود بوعي المجتمع، والالتزام بالتعليمات الرسمية، والابتعاد عن مواقع الحطام، وتجنّب تداول الصور والمعلومات مجهولة المصدر.

أما الإعلام، فمسؤوليته أن يجمع بين وضوح الموقف وأمانة النقل؛ يدين الاعتداء، ويشرح الوقائع، ويمنح القارئ معرفةً تعينه على الفهم وتحفظ طمأنينته. وكذلك يقتضي الإنصاف تحميل المسؤولية للجهة المعتدية، وتجنّب تعميمها على الشعب اليمني، الذي يستحق الأمن والاستقرار والخلاص من معاناة الصراع.

يبقى المغمس شاهدًا على عمق الذاكرة المكية، وتبقى حرمة مكة والمدينة مسؤوليةً تستدعي من الجميع كلمةً واعية وموقفًا ثابتًا. فتعظيم المقدسات يظهر في صون أمنها، وحماية قاصديها، والصدق في الحديث عنها؛ تلك أمانة الكلمة حين تلتقي قداسة المكان بخطورة الحدث.

بقلم رئيس مجلس ادارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية

مسعود جابر جبران الفيفي

إرسال التعليق